*الباب الرابع: القضایا وأحکامها*
وفیه فصلان:
الفصل اﻷول: القضایا القضیة:
تقدم فی الباب اﻷول أن الخبر هو القضیة، وعرفنا الخبر ـ أو القضیة ـ بأنه (المرکب التام الذی یصح أن نصفه بالصدق أو الکذب).
وقولنا: المرکب التام، هو (جنس قریب) یشمل نوعی التام، الخبر والإنشاء، وباقی التعریف (خاصة) یخرج بها الإنشاء، ﻷن الوصف بالصدق أو الکذب من عوارض الخبر المختصة به، کما فصلناه هناک، فهذا التعریف تعریف بالرسم التام.
وﻷجل أن یکون التعریف دقیقاً نزید علیه کلمة (لذاته)، فنقول: القضیة هی المرکب التام الذی یصح أن نصفه بالصدق أو الکذب لذاته.
وکذا ینبغی زیادة کلمة (لذاته) فی تعریف الإنشاء. ولهذا القید فائدة، فإنه قد یتوهم غافل فیظن أن التعریف اﻷول للخبر یشمل بعض الإنشاءات فلا یکون مانعاً، ویخرج هذا البعض من تعریف الإنشاء فلا یکون جامعاً.
وسبب هذا الظن أن بعض الإنشاءات قد توصف بالصدق والکذب، کما لو استفهم شخص عن شیء یعلمه، أو سأل الغنی سؤال الفقیر، أو تمنى إنسان شیئاً هو واجد له، فإن هؤلاء نرمیهم بالکذب، وفی عین الوقت نقول للمستفهم الجاهل والسائل الفقیر والمتمنی الفاقد الیائس أنهم صادقون. ومن المعلوم أن الاستفهام والطلب بالسؤال والتمنی من أقسام الإنشاء.
ولکنا إذا دققنا هذه اﻷمثلة وأشباهها یرتفع هذا الظن، ﻷننا نجد أن الاستفهام الحقیقی لا یکون إلا عن جهل، والسؤال لا یکون إلا عن حاجة، والتمنی لا یکون إلا عن فقدان ویأس، فهذه الإنشاءات تدل بالدلالة الالتزامیة على الإخبار عن الجهل أو الحاجة أو الیأس، فیکون الخبر المدلول علیه بالالتزام هو الموصوف بالصدق أو الکذب، لا ذات الإنشاء.
فالتعریف اﻷول للخبر فی حد نفسه لا یشمل هذه الإنشاءات، ولکن ﻷجل التصریح بذلک دفعاً للالتباس، نضیف کلمة (لذاته)، ﻷن هذه الإنشاءات المذکورة لئن اتصفت بالصدق أو الکذب، فلیس هذا الوصف لذاتها، بل ﻷجل مدالیلها الالتزامیة.
***
اقسام القضیة: حملیة وشرطیة
القضیة: حملیة وشرطیة:
1- (الحملیة) مثل: الحدید معدن، الربا محرم، الصدق ممدوح، الکاذب لیس بمؤتمن، البخیل لا یسود.
وبتدقیق هذه اﻷمثلة نجد: أن کل قضیة منها لها طرفان ونسبة بینهما، ومعنى هذه النسبة اتحاد الطرفین وثبوت الثانی للأول، أو نفی الاتحاد والثبوت. وبالاختصار نقول: معناها أن (هذا ذاک) أو (هذا لیس ذاک) فیصح تعریف الحملیة بأنها:
ما حکم فیها بثبوت شیء لشیء أو نفیه عنه.
2- (الشرطیة) مثل:
إذا أشرقت الشمس فالنهار موجود.
ولیس إذا کان اﻹنسان نماماً کان أمیناً.
ومثل: اللفظ إما أن یکون مفرداً أو مرکباً.
ولیس اﻹنسان إما أن یکون کاتباً أو شاعراً.
وعند ملاحظة هذه القضایا نجد: أن کل قضیة منها لها طرفان، وهما قضیتان باﻷصل. ففی المثال اﻷول لولا (إذا) و (فاء الجزاء) لکان قولنا (أشرقت الشمس) خبراً بنفسه وکذا (النهار موجود).
وهکذا باقی اﻷمثلة، ولکن لما جمع المتکلم بین الخبرین ونسب أحدهما إلى اﻵخر جعلهما قضیة واحدة وأخرجهما عما کانا علیه من کون کل منهما خبراً یصح السکوت علیه، فإنه لو قال (أشرقت الشمس...) وسکت فإنه یعد مرکباً ناقصاً، کما تقدم فی بحث المرکب.
وأما هذه النسبة بین الخبرین باﻷصل، فلیست هی نسبة الثبوت والاتحاد کالحملیة، ﻷن لا اتحاد بین القضایا، بل هی إما نسبة الاتصال والتصاحب والتعلیق، أی تعلیق الثانی على اﻷول أو نفی ذلک کالمثالین اﻷولین، وإما نسبة التعاند والانفصال والتباین أو نفی ذلک کالمثالین اﻷخیرین.
و من جمیع ما تقدم نستطیع أن نستنتج عدة أمور:
(اﻷول) تعریف القضیة الشرطیة بأنها (ما حکم فیها بوجود نسبة بین قضیة وأخرى أو لا وجودها).
الشرطیة: متصلة ومنفصلة:
(الثانی) أن الشرطیة تنقسم إلى متصلة ومنفصلة، ﻷن النسبة:
1- إن کانت هی الاتصال بین القضیتین وتعلیق إحداهما على اﻷخرى أو نفی ذلک، کالمثالین اﻷولین، فهی المسماة (بالمتصلة).
2- وإن کانت هی الانفصال والعناد بینهما أو نفی ذلک، کالمثالین اﻷخیرین فهی المسماة (بالمنفصلة).
الموجبة والسالبة:
(الثالث) أن القضیة بجمیع أقسامها سواء کانت حملیة أو متصلة أو منفصلة، تنقسم إلى موجبة وسالبة، ﻷن الحکم فیها:
1- إن کان بنسبة الحمل أو الاتصال أو الانفصال فهی (موجبة).
2- وإن کان بسلب الحمل أو الاتصال أو الانفصال فهی (سالبة).
وعلى هذا فلیس من حق السالبة أن تسمى حملیة أو متصلة أو منفصلة، ﻷنها سلب الحمل أو سلب الاتصال أو سلب الانفصال، ولکن تشبیهها لها بالموجبة سمیت باسمها.
ویسمى الإیجاب والسلب (کیف القضیة) ﻷنه یسأل بـ (کیف) الاستفهامیة عن الثبوت وعدمه.
أقسام القضیة باعتبار الموضوع
الحملیة: شخصیَّة، وطبیعیة، ومهملة، ومحصورة.
المحصورة: کلیة وجزئیة
نبتدئ بالتقسیم باعتبار الموضوع للحملیة، ثم نتبعه بتقسیم الشرطیة، فنقول:
تنقسم الحملیة باعتبار الموضوع إلى اﻷقسام اﻷربعة المذکورة فی العنوان ﻷن الموضوع إما أن یکون جزئیاً حقیقیاً أو کلیاً:
أ - فإن کان جزئیاً سمیت القضیة (شخصیة) و (مخصوصة) مثل: محمد رسول الله. الشیخ المفید مجدد القرن الرابع. بغداد عاصمة العراق. أنت عالم. هو لیس بشاعر. هذا العصر لا یبشر بخیر. ب- وإن کان کلیاً، ففیه ثلاث حالات تسمى - فی کل حالة - القضیة المشتملة علیه باسم مخصوص، فإنه:
1- إما أن یکون الحکم فی القضیة على نفس الموضوع الکلی بما هو کلی مع غض النظر عن أفراده، على وجه لا یصح تقدیر رجوع الحکم إلى اﻷفراد، فالقضیة تسمى (طبیعیة) ﻷن الحکم فیها على نفس الطبیعة من حیث هی کلیة، مثل: اﻹنسان نوع. الناطق فصل. الحیوان جنس. الضاحک خاصة... وهکذا، فإنک ترى أن الحکم فی هذه اﻷمثلة لا یصح إرجاعه إلى أفراد الموضوع، ﻷن الفرد لیس نوعاً ولا فصلاً ولا جنساً ولا خاصة.
2- وإما أن یکون الحکم فیها على الکلی بملاحظة أفراده، بأن یکون الحکم فی الحقیقة راجعاً إلى اﻷفراد، والکلی جعل عنواناً ومرآة لها، إلا أنه لم یبین فیه کمیة اﻷفراد، لا جمیعها ولا بعضها، فالقضیة تسمى (مهملة) لإهمال بیان کمیة أفراد الموضوع، مثل: اﻹنسان فی خسر. رئیس القوم خادمهم. لیس من العدل سرعة العذل. المؤمن لا یکذب.
فإنه لیس فی هذه اﻷمثلة دلالة على أن الحکم عام لجمیع ما تحت الموضوع أو غیر عام.
(تنبیه):
قال الشیخ الرئیس فی الإشارات بعد بیان المهملة: «فإن کان إدخال اﻷلف واللام یوجب تعمیماً وشرکة وإدخال التنوین یوجب تخصیصاً، فلا مهملة فی لغة العرب، ولیطلب ذلک فی لغة أخرى. وأما الحق فی ذلک فلصناعة النحو ولا نخالطها بغیرها...». والحق وجود المهملة فی لغة العرب إذا کانت اللام للحقیقة، فیشار بها إلى نفس الطبیعة من حیث وجودها فی مصادیقها، من دون دلالة على إرادة الجمیع أو البعض. نعم إذا کانت للجنس فإنها تفید العموم. ویفهم ذلک من قرائن اﻷحوال. وهذا أمر یرجع فیه إلى کتب النحو وعلوم البلاغة.
3- وإما أن یکون الحکم فیها على الکلی بملاحظة أفراده، کالسابقة، ولکن کمیة أفراده مبینة فی القضیة، إما جمیعاً أو بعضاً، فالقضیة تسمى (محصورة) وتسمى (مسوَّرة) أیضاً. وهی تنقسم بملاحظة کمیة اﻷفراد إلى:
أ- (کلیة) إذا کان الحکم على جمیع اﻷفراد، مثل: کل إمام معصوم. کل ماء طاهر. کل ربا محرم. لا شیء من الجهل بنافع. ما فی الدار دیار.
ب- (جزئیة) إذا کان الحکم على بعض اﻷفراد، مثل: بعض الناس یکذبون. قلیل من عبادی الشکور. وما أکثر الناس ولو حرصت بمؤمنین. لیس کل إنسان عالماً. رب أکلة منعت أکلات.
لا اعتبار إلا بالمحصورات:
القضایا المعتبرة التی یبحث عنها المنطقی، ویعتد بها، هی المحصورات، دون غیرها من باقی اﻷقسام. وهذا ما یحتاج إلى البیان:
أما (الشخصیة) فلأن مسائل المنطق قوانین عامة، فلا شأن لها فی القضایا الشخصیة التی لا عموم فیها.
وأما (الطبیعیة) فهی بحکم الشخصیة، ﻷن الحکم فیها لیس فیه تقنین قاعدة عامة، وإنما الحکم ـ کما قلنا ـ على نفس المفهوم بما هو من غیر أن یکون له مساس بأفراده. وهو بهذا الاعتبار کالمعنى الشخصی لا عموم فیه، فإن اﻹنسان فی مثال (اﻹنسان نوع) لا عموم فیه. ﻷن کلا من أفراده لیس بنوع.
وأما (المهملة) فهی فی قوة الجزئیة، وذلک ﻷن الحکم فیها یجوز أن یرجع إلى جمیع اﻷفراد ویجوز أن یرجع إلى بعضها دون البعض اﻵخر، کما تقول: (رئیس القوم خادمهم)، فإنه إذا لم یبین فی هذه القضیة کمیة اﻷفراد، فإنک تحتمل أن کل رئیس قوم یجب أن یکون کخادم لقومه. وربما کان هذا الحکم من القائل غیر عام لکل من یصدق علیه رئیس قوم، فقد یکون رئیساً مستغنیاً عن قومه إذ لا تکون قوته مستمدة منهم. وعلى کلا التقدیرین یصدق (بعض الرؤساء لقومهم کخدم لهم) ﻷن الحکم إذا کان فی الواقع للکل، فإن البعض له هذا الحکم قطعاً أما البعض اﻵخر فهو مسکوت عنه. وإذا کان فی الواقع للبعض، فقد حکم على البعض.
إذن الجزئیة صادقة على کلا التقدیرین قطعاً. ولا نعنی بالجزئیة إلا ما حکم فیها على بعض اﻷفراد من دون نظر إلى البعض الباقی بنفی ولا إثبات. فإنک إذا قلت (بعض اﻹنسان حیوان) فهی صادقة، ﻷنها ساکتة عن البعض اﻵخر فلا تدلیل على أن الحکم لا یعمه. ولا شک أن بعض اﻹنسان حیوان وإن کان البعض الباقی فی الواقع أیضاً حیواناً ولکنه مسکوت عنه فی القضیة. وإذا کانت القضایا المعتبرة هی المحصورات خاصة سواء کانت کلیة أو جزئیة فإذا روعی مع (کم) القضیة کیفها، ارتقت القضایا المعتبرة إلى أربعة أنواع: الموجبة الکلیة. السالبة الکلیة. الموجبة الجزئیة. السالبة الجزئیة.
تقسیم الشرطیة
`تقسیم الشرطیة إلى شخصیة، ومهملة، ومحصورة :
لاحظنا أن الحملیة تنقسم إلى اﻷقسام اﻷربعة السابقة باعتبار موضوعها. وللشرطیة تقسیم یشبه ذلک التقسیم، ولکن لا باعتبار الموضوع، إذ لا موضوع لها، بل باعتبار اﻷحوال واﻷزمان التی یقع فیها التلازم أو العناد.
فتنقسم الشرطیة بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام فقط: شخصیة، مهملة، محصورة. ولیس من أقسامها الطبیعیة التی لا تکون إلا باعتبار الموضوع بما هو مفهوم موجود فی الذهن.
1- (الشخصیة) وهی ما حکم فیها بالاتصال، أو التنافی، أو نفیهما، فی زمن معین شخصی، أو حال معین کذلک.
مثال المتصلة- إن جاء علی غاضباً فلا أسلم علیه. إذا مطرت السماء الیوم فلا أخرج من الدار. لیس إذا کان المدرس حاضراً اﻵن فإنه مشغول بالدرس.
مثال المنفصلة- إما أن تکون الساعة اﻵن الواحدة أو الثانیة. وإما أن یکون زید وهو فی البیت نائماً أو مستیقظاً. لیس إما أن یکون الطالب وهو فی المدرسة واقفاً أو فی الدرس.
2- (المهملة) وهی ما حکم فیها بالاتصال أو التنافی أو رفعهما فی حال أو زمان ما، من دون نظر إلى عموم اﻷحوال واﻷزمان أو خصوصهما.
مثال المتصلة- إذا بلغ الماء کراً فلا ینفعل بملاقاة النجاسة. لیس إذا کان اﻹنسان کاذباً کان محموداً.
مثال المنفصلة- القضیة إما أن تکون موجبة أو سالبة. لیس إما أن یکون الشیء معدناً أو ذهباً.
3- (المحصورة) وهی ما بُیِّن فیها أحوال الحکم وأوقاته کلاً أو بعضاً وهی على قسمین کالحملیة:
أ – (الکلیة) وهی إذا کان إثبات الحکم أو رفعه فیها یشمل جمیع اﻷحوال أو اﻷوقات.
مثال المتصلة- کلما کانت اﻷمة حریصة على الفضیلة کانت سالکة سبیل السعادة. لیس أبداً، أو لیس البتة إذا کان اﻹنسان صبوراً على الشدائد کان غیر موفق فی أعماله.
مثال المنفصلة- دائماً إما أن یکون العدد الصحیح زوجاً أو فرداً. لیس أبداً، أو لیس البتة إما أن یکون العدد الصحیح زوجاً أو قابلاً للقسمة على اثنین.
ب- (الجزئیة) إذا کان إثبات الحکم أو رفعه فیها یختص فی بعض غیر معین من اﻷحوال واﻷوقات. مثال المتصلة- قد یکون إذا کان اﻹنسان عالماً کان سعیداً. ولیس کلما کان اﻹنسان حازماً کان ناجحاً فی أعماله.
مثال المنفصلة- قد یکون إما أن یکون اﻹنسان مستلقیاً أو جالساً (وذلک عندما یکون فی السیارة مثلاً إذ لا یمکنه الوقوف). قد لا یکون إما أن یکون اﻹنسان مستلقیاً أو جالساً (وذلک عندما یمکنه الوقوف منتصباً).
تقسیمات الحملیة - تمهید
`تمهید:
تقدم أن الحملیة تنقسم باعتبار الکیف إلى موجبة وسالبة، وباعتبار الموضوع إلى شخصیة وطبیعیة ومهملة ومحصورة، والمحصورة إلى کلیة وجزئیة. وهذه تقسیمات تشارکها الشرطیة فیها فی الجملة کما تقدم.
واﻵن نبحث فی هذا الفصل عن التقسیمات الخاصة بالحملیة، وهی: تقسیمها (أولاً) باعتبار وجود موضوعها فی الموجبة. وتقسیمها (ثانیاً) باعتبار تحصیل الموضوع والمحمول وعدولهما. وتقسیمها (ثالثاً) باعتبار جهة النسبة. فهذه تقسیمات ثلاثة:
1- الذهنیة. الخارجیة. الحقیقیة.
2- المعدولة والمحصلة.
3- الموجهات.
المعدولة والمحصلة
موضوع القضیة الحملیة أو محمولها قد یکون شیئاً (محصلاً) بالفتح، أی یدل على شیء موجود، مثل: إنسان. محمد. أسد. أو صفة وجودیة مثل: عالم. عادل. کریم. یتعلم.
وقد یکون موضوعها أو محمولها شیئاً معدولاً أی داخلاً علیه حرف السلب على وجه یکون جزءاً من الموضوع أو المحمول مثل: لا إنسان. لا عالم. لا کریم. غیر بصیر.
وعلیه فالقضیة باعتبار تحصیل الموضوع والمحمول وعدولهما، تنقسم إلى قسمین: محصلة ومعدولة.
1- (المحصلة) ما کان موضوعها ومحمولها محصلاً سواء کانت موجبة أو سالبة مثل: الهواء نقی. الهواء لیس نقیاً. وتسمى أیضاً (محصلة الطرفین).
2- (المعدولة) ما کان موضوعها أو محمولها أو کلاهما معدولاً، سواء کانت موجبة أو سالبة. وتسمى معدولة الموضوع أو معدولة المحمول أو معدولة الطرفین حسب دخول العدول على أحد طرفیها أو کلیهما. ویقال لمعدولة أحد الطرفین: محصلة الطرف اﻵخر: الموضوع أو المحمول.
مثال معدولة الطرفین: کل لا عالم هو غیر صائب الرأی. کل غیر مجد لیس هو بغیر مخفق فی الحیاة.
مثال معدولة الموضوع أو محصلة المحمول: غیر العالم مستهان. غیر العالم لیس بسعید.
تنبیه:
تمتاز معدولة المحمول عن السالبة محصلة المحمول:
1- فی المعنى: فإن المقصود بالسالبة سلب الحمل، وبمعدولة المحمول حمل السلب، أی یکون السلب فی المعدولة جزءاً من المحمول فیحمل المسلوب بما هو مسلوب على الموضوع.
2- فی اللفظ: فإن السالبة تجعل الرابطة فیها بعد حرف السلب لتدل على سلب الحمل، والمعدولة تجعل الرابطة فیها قبل حرف السلب لتدل على حمل السلب.
وغالباً تستعمل (لیس) فی السالبة و (لا) أو (غیر) فی المعدولة.
المعدولة والمحصلة
موضوع القضیة الحملیة أو محمولها قد یکون شیئاً (محصلاً) بالفتح، أی یدل على شیء موجود، مثل: إنسان. محمد. أسد. أو صفة وجودیة مثل: عالم. عادل. کریم. یتعلم.
وقد یکون موضوعها أو محمولها شیئاً معدولاً أی داخلاً علیه حرف السلب على وجه یکون جزءاً من الموضوع أو المحمول مثل: لا إنسان. لا عالم. لا کریم. غیر بصیر.
وعلیه فالقضیة باعتبار تحصیل الموضوع والمحمول وعدولهما، تنقسم إلى قسمین: محصلة ومعدولة.
1- (المحصلة) ما کان موضوعها ومحمولها محصلاً سواء کانت موجبة أو سالبة مثل: الهواء نقی. الهواء لیس نقیاً. وتسمى أیضاً (محصلة الطرفین).
2- (المعدولة) ما کان موضوعها أو محمولها أو کلاهما معدولاً، سواء کانت موجبة أو سالبة. وتسمى معدولة الموضوع أو معدولة المحمول أو معدولة الطرفین حسب دخول العدول على أحد طرفیها أو کلیهما. ویقال لمعدولة أحد الطرفین: محصلة الطرف اﻵخر: الموضوع أو المحمول.
مثال معدولة الطرفین: کل لا عالم هو غیر صائب الرأی. کل غیر مجد لیس هو بغیر مخفق فی الحیاة.
مثال معدولة الموضوع أو محصلة المحمول: غیر العالم مستهان. غیر العالم لیس بسعید.
تنبیه:
تمتاز معدولة المحمول عن السالبة محصلة المحمول:
1- فی المعنى: فإن المقصود بالسالبة سلب الحمل، وبمعدولة المحمول حمل السلب، أی یکون السلب فی المعدولة جزءاً من المحمول فیحمل المسلوب بما هو مسلوب على الموضوع.
2- فی اللفظ: فإن السالبة تجعل الرابطة فیها بعد حرف السلب لتدل على سلب الحمل، والمعدولة تجعل الرابطة فیها قبل حرف السلب لتدل على حمل السلب.
وغالباً تستعمل (لیس) فی السالبة و (لا) أو (غیر) فی المعدولة.
3- (الإمکان) ومعناه: أنه لا یجب ثبوت المحمول لذات الموضوع، ولا یمتنع، فیجوز الإیجاب والسلب معاً، أی أن الضرورتین ضرورة الإیجاب وضرورة السلب مسلوبتان معاً، فیکون الإمکان معنى عدمیاً یقابل الضرورتین تقابل العدم والملکة، ولذا یعبر عنه بقولهم (هو سلب الضرورة عن الطرفین معاً)، أی طرف الإیجاب وطرف السلب للقضیة.
ویقال له: (الإمکان الخاص) أو (الإمکان الحقیقی) فی مقابل (الإمکان العام) الذی هو أعم من الإمکان الخاص.
الإمکان العام:
والمقصود منه: ما یقابل إحدى الضرورتین ضرورة الإیجاب أو السلب فهو أیضاً معناه سلب الضرورة، ولکن سلب ضرورة واحدة لا الضرورتین معاً، فإذا کان سلب (ضرورة الإیجاب) فمعناه أن طرف السلب ممکن، وإذا کان سلب (ضرورة السلب) فمعناه أن طرف الإیجاب ممکن.
فلو قیل: هذا الشیء ممکن الوجود أی أنه لا یمتنع أو فقل إن ضرورة السلب (وهی الامتناع) مسلوبة، وإذا قیل: هذا الشیء ممکن العدم أی أنه لا یجب، أو فقل إن ضرورة الإیجاب (وهی الوجوب) مسلوبة.
ولذا عبر عنه الفلاسفة بقولهم: (هو سلب الضرورة عن الطرف المقابل) أی مع السکوت عن الطرف الموافق، فقد یکون مسلوب الضرورة وقد لا یکون. وهذا الإمکان هو الشایع استعماله عند عامة الناس والمتداول فی تعبیراتهم. وهو کما قلنا أعم من الإمکان الخاص، ﻷنه إذا کان إمکاناً للإیجاب فإنه یشمل الوجوب والإمکان الخاص، وإذا کان إمکاناً للسلب فإنه یشمل الامتناع والإمکان الخاص.
مثال إمکان الإیجاب ـ قولهم (الله ممکن الوجود)، و(الإنسان ممکن الوجود)، فإن معناه فی المثالین أن الوجود لا یمتنع، أی أن الطرف المقابل وهو عدمه لیس ضروریاً، ولو کان العدم ضروریاً لکان الوجود ممتنعاً لا ممکناً. وأما الطرف الموافق وهو ثبوت الوجود فغیر معلوم. فیحتمل أن یکون واجباً کما فی المثال اﻷول، ویحتمل ألا یکون واجباً کما فی المثال الثانی، بأن یکون ممکن العدم أیضاً، أی أنه لیس ضروری الوجود کما لم یکن ضروری العدم، فیکون ممکناً بالإمکان الخاص، فشمل هنا الإمکان العام الوجوب والإمکان الخاص.
مثال إمکان السلب - قولهم: (شریک الباری ممکن العدم)، و(الإنسان ممکن العدم)، فإن معناه فی المثالین أن الوجود لا یجب، أی أن الطرف المقابل وهو وجوده لیس ضروریاً ولو کان الوجود ضروریاً لکان واجباً وکان عدمه ممتنعاً لا ممکناً. وأما الطرف الموافق، وهو العدم فغیر معلوم، فیحتمل أن یکون ضروریاً کما فی المثال اﻷول (وهو الممتنع)، ویحتمل ألا یکون کذلک کما فی الثانی: بأن یکون ممکن الوجود أیضاً، وهو الممکن (بالإمکان الخاص)، فشمل هنا الإمکان العام الامتناع والإمکان الخاص.
وعلى هذا فالإمکان العام معنى یصلح للانطباق على کل من حالات النسبة الثلاث: الوجوب والامتناع والإمکان، فلیس هو معنى یقابلها، بل فی الإیجاب یصدق على الوجوب والإمکان الخاص، وفی السلب على الامتناع والإمکان الخاص. وهذه الحالات الثلاث للنسبة التی لا یخلو من إحداها واقع القضیة تسمى (مواد القضایا) وتسمى (عناصر العقود) و(أصول الکیفیات). والإمکان العام خارج عنها وهو معدود من الجهات على ما سیأتی.
جهة القضیة:
تقدم معنى مادة القضیة التی لا تخرج عن إحدى تلک الحالات الثلاث. ولهم اصطلاح آخر هنا وهو المقصود بالبحث، وهو قولهم (جهة القضیة) والجهة غیر المادة، فإن المقصود بها: ما یُفهم أو یُتصور من کیفیة النسبة بحسب ما تعطیه العبارة من القضیة.
والفرق بینهما مع أن کلا منهما کیفیة فی النسبة: إن المادة هی تلک النسبة الواقعیة فی نفس اﻷمر التی هی إما الوجوب أو الامتناع أو الإمکان ولا یجب أن تفهم وتتصور فی مقام توجه النظر إلى القضیة، فقد تفهم وتبین فی العبارة وقد لا تفهم ولا تبین. وأما الجهة فهی خصوص ما یفهم ویتصور من کیفیة نسبة القضیة عند النظر فیها فإذا لم یفهم شیء من کیفیة النسبة فالجهة مفقودة، أی أن القضیة لا جهة لها حینئذٍ، وهی أی الجهة لا یجب أن تکون مطابقة للمادة الواقعیة فقد تطابقها وقد لا تطابقها.
فإذا قلت: (اﻹنسان حیوان بالضرورة) فإن المادة الواقعیة هی الضرورة، والجهة فیها أیضاً الضرورة فقد طابقت فی هذا المثال الجهة المادة وبتعبیر آخر إن المادة الواقعیة قد فهمت وبینت بنفسها فی هذه القضیة.
وأما إذا قلت فی المثال: (اﻹنسان یمکن أن یکون حیواناً) فإن المادة فی هذه القضیة هی الضرورة لا تتبدل ﻷن الواقع لا یتبدل بتبدل التعبیر والإدراک. ولکن الجهة هنا هی الإمکان العام، فإنه هو المفهوم والمتصور من القضیة، وهو لا یطابق المادة، ﻷنه فی طرف الإیجاب یتناول الوجوب والإمکان الخاص کما تقدم، فیجوز أن تکون المادة واقعاً هی الضرورة کما فی المثال، ویجوز أن تکون هی الإمکان الخاص، کما لو کانت القضیة هکذا (اﻹنسان یمکن أن یکون کاتباً). وهکذا لو قلت (اﻹنسان حیوان دائماً) فإن المادة هی الضرورة والجهة هی الدوام الذی یصدق مع الوجوب والإمکان الخاص، ﻷن الممکن بالإمکان الخاص قد یکون دائم الثبوت کحرکة القمر مثلاً، وکزرقة العین، فلم تطابق الجهة المادة هنا.
ثم إن القضیة التی یبین فیها کیفیة النسبة تسمى (موجَّهة) بصیغة اسم المفعول. وما أهمل فیها بیان الکیفیة تسمى (مطلَقة) أو (غیر موجهة).
ومما یجب أن یعلم أنا إذا قلنا إن الجهة لا یجب أن تطابق المادة، فلا نعنی أنه یجوز أن تناقضها، بل یجب ألا تناقضها، فلو کانت مناقضة لها على وجه لا تجتمع معها، کما لو کانت المادة هی الامتناع مثلاً وکانت الجهة دوام الثبوت أو إمکانه، فإن القضیة تکون کاذبة.
فیفهم من هذا إن من شروط صدق القضیة الموجهة ألا تکون جهتها مناقضة لمادتها الواقعیة.
انواع الموجهات
تنقسم الموجهة إلى: بسیطة ومرکبة.
و(المرکبة) ما انحلت إلى قضیتین موجهتین بسیطتین، إحداهما موجبة واﻷخرى سالبة. ولذا سمیت مرکبة، وسیأتی بیانها. أما البسیطة فخلافها، وهی لا تنحل إلى أکثر من قضیة واحدة.
أقسام البسیطة:
وأهم البسائط ثمان وإن کانت تبلغ أکثر من ذلک:
1ـ (الضروریة الذاتیة) ویعنون بها ما دلت على ضرورة ثبوت المحمول لذات الموضوع أو سلبه عنه ما دام ذات الموضوع موجوداً من دون قید ولا شرط فتکون مادتها وجهتها الوجوب فی الموجبة والامتناع فی السالبة نحو:
الإنسان حیوان بالضرورة. الشجر لیس متنفسا بالضرورة.
وعندهم ضروریة تسمى (الضروریة الأزلیة) وهی التی حکم فیها بالضرورة الصرفة بدون قید فیها حتى قید ما دام ذات الموضوع وهی تنعقد فی وجود الله تعالى وصفاته مثل: (الله موجود بالضرورة الأزلیة) وکذا (الله حی عالم قادر بالضرورة الأزلیة).
2ـ (المشروطة العامة) وهی من قسم الضروریة ولکن ضرورتها مشروطة ببقاء عنوان الموضوع ثابتا لذاته نحو: الماشی متحرک بالضرورة ما دام على هذه الصفة. أما ذات الموضوع بدون قید عنوان الماشی فلا یجب له التحرک.
3ـ (الدائمة المطلقة) وهی ما دلت على دوام ثبوت المحمول لذات الموضوع أو سلبه عنه ما دام الموضوع بذاته موجودا سواء کان ضروریا له أو لا نحو: (کل فلک متحرک دائما. لا زال الحبشی أسود) فإنه لا یمتنع أن یزول سواد الحبشی وحرکة الفلک ولکنه لم یقع.
4ـ (العرفیة العامة) وهی من قسم الدائمة ولکن الدوام فیها مشروط ببقاء عنوان الموضوع ثابتا لذاته فهی تشبه المشروطة العامة من ناحیة اشتراط جهتها ببقاء عنوان الموضوع نحو: (کل کاتب متحرک الأصابع دائما ما دام کاتبا)، فتحرک الأصابع لیس دائما ما دام الذات، ولکنه دائم ما دام عنوان الکاتب ثابتا لذات الکاتب.
5ـ (المطلقة العامة) وتسمى الفعلیة وهی ما دلت على أن النسبة واقعة فعلا وخرجت من القوة إلى الفعل ووجدت بعد أن لم تکن سواء کانت ضروریة أو لا وسواء کانت دائمة أو لا وسواء کانت واقعة فی الزمان الحاضر أو فی غیره نحو: (کل إنسان ماش بالفعل وکل فلک متحرک بالفعل).
وعلیه فالمطلقة العامة أعم من جمیع القضایا السابقة.
6ـ (الحینیة المطلقة) وهی من قسم المطلقة فتدل على فعلیة النسبة أیضا لکن فعلیتها حین اتصاف ذات الموضوع بوصفه وعنوانه نحو: (کل طائر خافق الجناحین بالفعل حین هو طائر)، فهی تشبه المشروطة والعرفیة من ناحیة اشتراط جهتها بوصف الموضوع وعنوانه.
7ـ (الممکنة العامة) وهی ما دلت على سلب ضرورة الطرف المقابل للنسبة المذکورة فی القضیة فإن کانت القضیة موجبة دلت على سلب ضرورة السلب وإن کانت سالبة دلت على سلب ضرورة الإیجاب.
ومعنى ذلک أنها تدل على أن النسبة المذکورة فی القضیة غیر ممتنعة سواء کانت ضروریة أو لا وسواء کانت واقعة أو لا وسواء کانت دائمة أو لا نحو (کل إنسان کاتب بالإمکان العام) أی أن الکتابة لا یمتنع ثبوتها لکل إنسان فعدمها لیس ضروریا، وإن اتفق أنها لا تقع لبعض الأشخاص.
وعلیه فالممکنة العامة أعم من جمیع القضایا السابقة.
8ـ (الحینیة الممکنة) وهی من قسم الممکنة ولکن إمکانها بلحاظ اتصاف ذات الموضوع بوصفه وعنوانه نحو: (کل ماش مضطرب الیدین بالإمکان العام حین هو ماش).
والحینیة الممکنة یؤتى بها عندما یتوهم المتوهم أن المحمول یمتنع ثبوته للموضوع حین اتصافه بوصفه.
أقسام المرکبة:
قلنا فیما تقدم: أن المرکبة ما انحلت إلى قضیتین موجبة وسالبة ونزیدها هنا توضیحا، فنقول: إن المرکبة تتألف من قضیة مذکورة بعبارة صریحة هی الجزء الأول منها (سواء کانت موجبة أو سالبة وباعتبار هذا الجزء الصریح تسمى المرکبة موجبة أو سالبة) ومن قضیة أخرى تخالف الجزء الأول بالکیف وتوافقه بالکم غیر مذکورة بعبارة صریحة، وإنما یشار إلیها بنحو کلمة (لا دائما) و (لا بالضرورة).
وإنما یلتجأ إلى الترکیب عندما تستعمل قضیة موجبة عامة تحتمل وجهین الضرورة واللاضرورة أو الدوام واللادوام فیراد بیان أنها لیست بضروریة أو لیست بدائمة فیضاف إلى القضیة مثل کلمة لا بالضرورة أو لا دائما.
مثل ما إذا قال القائل: (کل مصل یتجنب الفحشاء بالفعل) فیحتمل أن یکون ذلک ضروریا لا ینفک عنه ویحتمل ألا یکون ضروریا فلأجل دفع الاحتمال ولأجل التنصیص على أنه لیس بضروری تُقیدُ القضیة بقولنا (لا بالضرورة).
کما یحتمل أن یکون ذلک دائما ویحتمل ألا یکون ولأجل دفع الإحتمال وبیان أنه لیس بدائم تقید القضیة بقولنا (لا دائما).
فالجزء الأول وهو (کل مصلٍّ یتجنب الفحشاء بالفعل) قضیة موجبة کلیة مطلقة عامة والجزء الثانی وهو (لا بالضرورة) یشار به إلى قضیة سالبة کلیة ممکنة عامة لأن معنى (لا بالضرورة) أن تجنب الفحشاء لیس بضروری لکل مصل فیکون مؤداه أنه یمکن سلب تجنب الفحشاء على المصلی ویعبر عن هذه القضیة بقولهم: (لا شیء من المصلی بمتجنب للفحشاء بالإمکان العام).
وکذا لو کان الجزء الثانی هو (لا دائما) فإنه یشار به إلى قضیة سالبة کلیة ولکنها مطلقة عامة لأن معنى (لا دائما) أن تجنب الفحشاء لا یثبت لکل مصلٍّ دائما فیکون المؤدی (لا شیء من المصلی بمتجنب للفحشاء بالفعل).
وأهم القضایا المرکبة المتعارفة ست:
1ـ (المشروطة الخاصة) وهی المشروطة العامة المقیدة باللادوام الذاتی. والمشروطة العامة هی الدالة على ضرورة ثبوت المحمول للموضوع ما دام الوصف ثابتا له فیحتمل فیها أن یکون المحمول دائم الثبوت لذات الموضوع وإن تجرد عن الوصف ویحتمل ألا یکون. ولأجل دفع الاحتمال وبیان أنه غیر دائم الثبوت لذات الموضوع تقید القضیة باللادوام الذاتی فیشار به إلى قضیة مطلقة عامة.
فتترکب المشروطة الخاصة ـ على هذا ـ من مشروطة عامة صریحة ومطلقة عامة مشار إلیها بکلمة (لا دائما) نحو (کل شجر نام بالضرورة ما دام شجرا لا دائما) أی لا شیء من الشجر بنام بالفعل. وإنما سمیت خاصة لأنها أخص من المشروطة العامة.
2ـ (العرفیة الخاصة) وهی العرفیة العامة المقیدة باللادوام الذاتی. ومعناه أن المحمول وإن کان دائماً ما دام الوصف هو غیر دائم ما دام الذات فیرفع به احتمال الدوام ما دام الذات. ویشار باللادوام إلى قضیة مطلقة عامة کالسابق نحو: (کل شجر نام دائما ما دام شجرا لا دائما) أی لا شیء من الشجر بنام بالفعل.
فتترکب العرفیة الخاصة من عرفیة عامة صریحة ومطلقة عامة مشار إلیها بکلمة (لا دائما). وإنما سمیت خاصة لأنها أخص من العرفیة العامة.
إذن العرفیة العامة تحتمل الدوام ما دام الذات وعدمه والعرفیة الخاصة مختصة بعدم الدوام ما دام الذات.
3ـ (الوجودیة اللاضروریة) وهی المطلقة العامة المقیدة باللاضروریة الذاتیة لأن المطلقة العامة یحتمل فیها أن یکون المحمول ضروریا لذات الموضوع ویحتمل عدمه ولأجل التصریح بعدم ضرورة ثبوته لذات الموضوع تقید بکلمة (لا بالضرورة) وسلب الضرورة معناه الإمکان العام لأن الإمکان العام هو سلب الضرورة عن الطرف المقابل، فإذا سلبت الضرورة عن الطرف المذکور صریحا فی القضیة ولنفرضه حکما إیجابیا فمعناه أن الطرف المقابل وهو السلب موجه بالإمکان العام.
وعلیه فیشار بکلمة (لا بالضرورة) إلى ممکنة عامة، فإذا قلت: (کل إنسان متنفس بالفعل لا بالضرورة) فإن (لا بالضرورة) إشارة إلى قولک: لا شیء من الإنسان بمتنفس بالإمکان العام. فتترکب إذن الوجودیة اللاضروریة من مطلقة عامة وممکنة عامة، وإنما سمیت وجودیة لأن المطلقة العامة تدل على تحقق الحکم ووجوده خارجا، وسمیت لا ضروریة لتقیدها باللاضرورة.
4ـ (الوجودیة اللادائمة) وهی المطلقة العامة المقیدة باللادوام الذاتی لأن المطلقة العامة یحتمل فیها أن یکون المحمول دائم الثبوت لذات الموضوع ویحتمل عدمه، ولأجل التصریح بعدم الدوام تقید القضیة بکلمة (لا دائما)، فیشار بها إلى مطلقة عامة کما تقدم فتترکب الوجودیة اللادائمة من مطلقتین عامتین، وسمیت وجودیة للسبب المتقدم.
نحو (لا شیء من الإنسان بمتنفس بالفعل لا دائما) أی أن کل إنسان متنفس بالفعل.
5ـ (الحینیة اللادائمة) وهی الحینیة المطلقة المقیدة باللادوام الذاتی لأن الحینیة المطلقة معناها أن المحمول فعلی الثبوت للموضوع حین اتصافه بوصفه فیحتمل فیها الدوام ما دام الموضوع وعدمه، ولأجل التصریح بعدم الدوام تقید (باللادوام الذاتی) الذی یشار به إلى مطلقة عامة کما تقدم فتترکب الحینیة اللادائمة من حینیة مطلقة، ومطلقة عامة. نحو (کل طائر خافق الجناحین بالفعل حین هو طائر لا دائما)، أی لا شیء من الطائر بخافق الجناحین بالفعل.
6ـ (الممکنة الخاصة) وهی الممکنة العامة المقیدة باللاضرورة الذاتیة، ومعناها أن الطرف الموافق المذکور فی القضیة لیس ضروریا کما کان الطرف المخالف حسب التصریح فی القضیة لیس ضروریا أیضا، فیرفع بقید اللاضرورة احتمال الوجوب إذا کانت القضیة موجبة واحتمال الامتناع إذا کانت سالبة. ومفاد مجموع القضیة بعد الترکیب هو الإمکان الخاص الذی هو عبارة عن سلب الضرورة عن الطرفین.
فتترکب الممکنة الخاصة من ممکنتین عامتین وتکون فیها الجهة نفس المادة الواقعیة إذا کانت صادقة.
ویکفی لإفادة ذلک تقیید القضیة بالإمکان الخاص اختصارا، فنقول: (کل حیوان متحرک بالإمکان الخاص) أی کل حیوان متحرک بالإمکان العام، ولا شیء من الحیوان بمتحرک بالإمکان العام.
والتعبیر بالإمکان الخاص بمنزلة ما لو قیدت الممکنة العامة باللاضرورة کما لو قلت فی المثال:
(کل حیوان متحرک بالإمکان العام لا بالضرورة).
اللزومیة والاتفاقیة
تقسیمات الشرطیة الأخرى: تقدم أن الشرطیة تنقسم باعتبار نسبتها إلى متصلة ومنفصلة، وباعتبار الکیف إلى موجبة وسالبة، وباعتبار الأحوال والأزمان إلى شخصیة ومهملة ومحصورة، والمحصورة إلى کلیة وجزئیة. وقد بقی تقسیم کل من المتصلة والمنفصلة إلى أقسامها.
اللزومیة والاتفاقیة:
تنقسم المتصلة باعتبار طبیعة الاتصال بین المقدم والتالی إلى لزومیة واتفاقیة:
1ـ (اللزومیة) وهی التی بین طرفیها اتصال حقیقی لعلاقة توجب استلزام أحدهما للآخر، بأن یکون أحدهما علة للآخر أو معلولین لعلة واحدة.
نحو (إذا سخن الماء فإنه یتمدد) والمقدم علة للتالی. ونحو (إذا تمدد الماء فإنه ساخن) والتالی علة للمقدم، بعکس الأول. ونحو (إذا غلا الماء فانه یتمدد) وفیه الطرفان معلولان لعلة واحدة، لأن الغلیان والتمدد معلولان للسخونة إلى درجة معینة.
2ـ (الاتفاقیة) وهی التی لیس بین طرفیها اتصال حقیقی لعدم العلقة التی توجب الملازمة، ولکنه یتفق حصول التالی عند حصول المقدم، کما لو اتفق أن محمدا الطالب لا یحضر الدرس إلا بعد شروع المدرس؛ فتؤلف هذه القضیة الشرطیة (کلما جاء محمد فإن المدرس قد سبق شروعه فی الدرس). ولیس هنا أیة علاقة بین مجیء محمد وسبق شروع الدرس، وإنما ذلک بمحض الصدفة المتکررة.
ومن لم یتنور بنور العلم والمعرفة کثیرا ما یقع فی الغلط فیظن فی کثیر من الاتفاقیات أنها قضایا لزومیة لمجرد تکرر المصادفة.
أقسام المنفصلة
للمنفصلة تقسیمات:
أ. العنادیة والاتفاقیة:
وهذا التقسیم باعتبار طبیعة التنافی بین الطرفین، کالمتصلة فتنقسم إلى:
1ـ (العنادیة) وهی التی بین طرفیها تناف وعناد حقیقی، بأن تکون ذات النسبة فی کل منهما تنافی وتعاند ذات النسبة فی الآخر، نحو (العدد الصحیح إما أن یکون زوجا أو فردا).
2ـ (الاتفاقیة) وهی التی لا یکون التنافی بین طرفیها حقیقیا ذاتیا، وإنما یتفق أن یتحقق أحدهما بدون الآخر لأمر خارج عن ذاتهما، نحو: (إما أن یکون الجالس فی الدار محمدا أو باقرا) إذا اتفق أن علم أن غیرهما لم یکن. ونحو: (هذا الکتاب إما أن یکون فی علم المنطق وإما أن یکون مملوکا لخالد) إذا اتفق أن خالدا لا یملک کتابا فی علم المنطق واحتمل أن یکون هذا الکتاب المعین فی هذا العلم.
ب ـ الحقیقیة ومانعة الجمع ومانعة الخلو:
وهذا التقسیم باعتبار إمکان اجتماع الطرفین ورفعهما وعدم إمکان ذلک، فتنقسم إلى:
1ـ (حقیقیة) وهی ما حکم فیها بتنافی طرفیها صدقا وکذبا فی الإیجاب وعدم تنافیهما کذلک فی السلب، بمعنى أنه لا یمکن اجتماعهما ولا ارتفاعهما فی الإیجاب، ویجتمعان ویرتفعان فی السلب.
مثال الإیجاب ـ العدد الصحیح إما أن یکون زوجا أو فردا، فالزوج والفرد لا یجتمعان ولا یرتفعان. مثال السلب ـ لیس الحیوان إما أن یکون ناطقا وإما أن یکون قابلا للتعلیم فالناطق والقابل للتعلیم یجتمعان فی الإنسان ویرتفعان فی غیره.
وتستعمل الحقیقیة فی القسمة الحاصرة: الثنائیة وغیرها. واستعمالها أکثر من أن یحصى.
2ـ (مانعة جمع) وهی ما حکم فیها بتنافی طرفیها أو عدم تنافیهما صدقا لا کذبا، بمعنى أنه لا یمکن اجتماعهما ویجوز أن یرتفعا معاً فی الإیجاب ویمکن اجتماعهما ولا یمکن ارتفاعهما فی السلب.
مثال الإیجاب ـ إما أن یکون الجسم أبیض أو أسود. فالأبیض والأسود لا یمکن اجتماعهما فی جسم واحد ولکنه یمکن ارتفاعهما فی الجسم الأحمر.
مثال السلب ـ لیس إما أن یکون الجسم غیر أبیض أو غیر أسود فإن غیر الأبیض وغیر الأسود یجتمعان فی الأحمر، ولا یرتفعان فی الجسم الواحد بأن لا یکون غیر أبیض ولا غیر أسود بل یکون أبیض وأسود. وهذا محال.
وتستعمل مانعة الجمع فی جواب من یتوهم إمکان الاجتماع بین شیئین، کمن یتوهم أن الإمام یجوز أن یکون عاصیا لله، فیقال له: (أن الشخص إما أن یکون إماما أو عاصیا لله) ومعناه أن الإمامة والعصیان لا یجتمعان وإن جاز أن یرتفعا بأن یکون شخص واحد لیس إماما وعاصیا.
هذا فی الموجبة وأما فی السالبة فتستعمل فی جواب من یتوهم استحالة اجتماع شیئین، کمن یتوهم امتناع اجتماع النبوة والإمامة فی بیت واحد، فیقال له (لیس إما أن یکون البیت الواحد فیه نبوة أو إمامة) ومعناه أن النبوة والإمامة لا مانع من اجتماعهما فی بیت واحد.
3ـ (مانعة خلو) وهی ما حکم فیها بتنافی طرفیها أو عدم تنافیهما کذبا لا صدقا، بمعنى أنه لا یمکن ارتفاعهما ویمکن اجتماعهما فی الإیجاب ویمکن ارتفاعهما ولا یمکن اجتماعهما فی السلب:
مثال الإیجاب ـ الجسم إما أن یکون غیر أبیض أو غیر أسود، أی أنه لا یخلو من أحدهما وإن اجتمعا. ونحو (إما أن یکون الجسم فی الماء أو لا یغرق) فإنه یمکن اجتماعهما بأن یکون فی الماء ولا یغرق ولکن لا یخلو الواقع من أحدهما لامتناع أن لا یکون الجسم فی الماء ویغرق.
مثال السلب ـ لیس إما أن یکون الجسم أبیض وإما أن یکون أسود، ومعناه أن الواقع قد یخلو من أحدهما وإن کانا لا یجتمعان.
وتستعمل مانعة الخلو الموجبة فی جواب من یتوهم إمکان أن یخلو الواقع من الطرفین، کمن یتوهم أنه یمکن أن یخلو الشیء من أن یکون علة ومعلولا، فیقال له: (کل شیء لا یخلو إما أن یکون علة أو معلولا)، وإن جاز أن یکون شیء واحد علة ومعلولا معا: علة لشیء ومعلولا لشیء آخر.
وأما السالبة فتستعمل فی جواب من یتوهم أن الواقع لا یخلو من الطرفین، کما یتوهم انحصار أقسام الناس فی عاقل لا دین له، ودیّن لا عقل له، فیقال له: (لیس الإنسان إما أن یکون عاقلا لا دین له أو دیّنا لا عقل له) بل یجوز أن یکون شخص واحد عاقلا ودیّنا معا.
تنبیه:
قد یغفل المبتدئ عن بعض القضایا، فلا یسهل علیه إلحاقها بقسمها من أنواع القضایا، لا سیما فی التعبیرات الدارجة فی ألسنة المؤلفین التی لم توضع بصورة فنیة مضبوطة کما تقتضیها قواعد المنطق. وهذه الغفلة قد توقعه فی الغلط عند الاستدلال أو لا یهتدی إلى وجه الاستدلال فی کلام غیره. وتکثر هذه الغفلة فی الشرطیات.
فلذلک وجب التنبیه على أمور تنفع فی هذا الباب نرجو أن یستعین بها المبتدئ.
1ـ تألیف الشرطیات:
إن الشرطیة تتألف من طرفین هما قضیتان بالأصل والمنفصلة بالخصوص قد تتألف من ثلاثة أطراف فأکثر. فالطرفان أو الأطراف التی هی القضایا بالأصل قد تکون من الحملیات أو من المتصلات أو من المنفصلات أو من المختلفات بأن تتألف المتصلة مثلاً من حملیة ومتصلة.
وترتقی أقسام تألیف الشرطیات إلى وجوه کثیرة لا فائدة فی إحصائها. وعلى الطالب أن یلاحظ ذلک بنفسه ولا یغفل عنه، فقد ترد علیه شرطیة مؤلفة من متصلة ومنفصلة فیظن أنها أکثر من قضیة. وللتوضیح نذکر بعض الوجوه وأمثلتها:
فمثلاً قد تتألف المتصلة من حملیة ومتصلة نحو: (إن کان العلم سببا للسعادة فإن کان الإنسان عالما کان سعیدا) فإن المقدم فی هذه القضیة حملیة والتالی متصلة وهو إن کان الإنسان عالما کان سعیدا.
وقد تتألف المتصلة من حملیة ومنفصلة نحو: (إذا کان اللفظ مفردا فإما أن یکون اسما أو فعلا أو حرفا) فالمقدم حملیة والتالی منفصلة ذات ثلاثة أطراف.
وقد تتألف المنفصلة من حملیة ومتصلة نحو (إما أن لا تکون حیلولة الأرض مسببا لخسوف القمر أو إذا حالت الأرض بین القمر والشمس کان القمر منخسفا).
وهکذا قد تتألف المتصلة أو المنفصلة من متصلتین أو منفصلتین أو متصلة ومنفصلة ویطول ذکر أمثلتها.
ثم إن الشرطیة التی تکون طرفا فی شرطیة أیضاً تألیفها یکون من الحملیات أو الشرطیات أو المختلفات وهکذا فتنبه لذلک.
2ـ المنحرفات:
ومن الموهمات فی القضایا انحراف القضیة عن استعمالها الطبیعی ووضعها المنطقی فیشتبه حالها بأنها من أی نوع، ومثل هذه تسمى (منحرفة).
وهذا الانحراف قد یکون فی الحملیة کما لو اقترن سورها بالمحمول، مع أن الاستعمال الطبیعی أن یقرن بالموضوع کقولهم: الإنسان بعض الحیوان أو الإنسان لیس کل الحیوان. وحق الاستعمال فیهما أن یقال: بعض الحیوان إنسان. ولیس کل حیوان إنسانا.
وقد یکون الانحراف فی الشرطیة کما لو خلت عن أدوات الاتصال والعناد فتکون بصورة حملیة وهی فی قوة الشرطیة نحو (لا تکون الشمس طالعة أو یکون النهار موجودا) فهی إما فی قوة المتصلة وهی قولنا: (کلما کانت الشمس طالعة کان النهار موجودا) وإما فی قوة المنفصلة وهی قولنا: إما أن لا تکون الشمس طالعة وإما أن یکون النهار موجودا.
ونحو (لیس یکون النهار موجودا إلا والشمس طالعة) وهی أیضا فی قوة المتصلة أو المنفصلة المتقدمتین. ونحو (لا یجتمع المال إلا من شح أو حرام) فإنها فی قوة المنفصلة وهی قولنا: إما أن یجتمع المال من شح أو من حرام، أو فی قوة المتصلة وهی قولنا: إن اجتمع المال فاجتماعه إما من شح أو من حرام. وهذه متصلة مقدمها حملیة وتالیها منفصلة بالأصل.
وعلى الطالب أن یلاحظ ویدقق القضایا المستعملة فی العلوم، فإنها کثیرا ما تکون منحرفة عن أصلها فیغفل عنها. ولیستعمل فطنته فی إرجاعها إلى أصلها.
تطبیقات:
1ـ کیف ترد هذه القضیة إلى أصلها (لیس للإنسان إلا ما سعى)؟
الجواب: أن هذه قضیة فیها حصر فهی تنحل إلى حملیتین موجبة وسالبة، فهی منحرفة.
والحملیتان هما: کل إنسان له نتیجة سعیه. ولیس للإنسان ما لم یسع إلیه.
2ـ من أی القضایا قوله: (أزرى بنفسه من استشعر الطمع)؟
الجواب: أنها قضیة منحرفة عن متصلة وهی فی قوة قولنا: کلما استشعر المرء الطمع أزرى بنفسه.
3ـ کیف ترد هذه القضیة إلى أصلها: (ما خاب من تمسک بک)؟
الجواب: أنها منحرفة عن حملیة موجبة کلیة وهی: کل من تمسک بک لا یخیب.
احکام القضایا - تمهید
الفصل الثانی: فی أحکام القضایا أو النسب بینها.
تمهید:
کثیرا ما یعانی الباحث مشقة فی البرهان على مطلوبه مباشرة، بل قد یمتنع علیه ذلک أحیانا فیلتجئ إلى البرهان على قضیة أخرى لها نسبة مع القضیة المطلوبة لیقارنها بها: فقد یحصل له من العلم بصدق القضیة المبرهن علیها العلم بکذب القضیة المطلوبة أو بالعکس. وذلک إذا کان هناک تلازم بین صدق إحداهما وکذب الأخرى. وقد یحصل له من العلم بصدق القضیة المبرهن علیها العلم بصدق القضیة المطلوبة أو من العلم بکذب الأولى العلم بکذب الثانیة. وذلک إذا کان صدق الأولى یستلزم صدق الثانیة أو کان کذبها یستلزم کذبها.
فلابد للمنطقی قبل الشروع فی مباحث الاستدلال وبعد إلمامه بجملة من القضایا أن یعرف النسب بینها حتى یستطیع أن یبرهن على مطلوبه أحیانا من طریق البرهنة على قضیة أخرى لها نسبتها مع القضیة المطلوبة فینتقل ذهنه من القضیة المبرهن على صدقها أو کذبها إلى صدق أو کذب القضیة التی یحاول تحصیل العلم بها.
والمباحث التی تعرف بها النسب بین القضایا هی مباحث التناقض والعکس المستوی وعکس النقیض وملحقاتها. وتسمى (أحکام القضایا). ونحن نشرع ـ إن شاء الله تعالى ـ فی هذه المباحث على هذا الترتیب المتقدم.
التناقض
الحاجة إلى هذا البحث والتعریف به:
قلنا فی التمهید: أن کثیرا ما تمس الحاجة إلى الاستدلال على قضیة لیست هی نفس القضیة المطلوبة، ولکن العلم بکذبها یلزمه العلم بصدق القضیة المطلوبة أو بالعکس عندما یکون صدق إحداهما یلزم کذب الأخرى.
والقضیتان اللتان لهما هذه الصفة هما القضیتان المتناقضتان، فإذا أردت مثلا أن تبرهن على صدق القضیة (الروح موجودة) مع فرض أنک لا تتمکن على ذلک مباشرة، فیکفی أن تبرهن على کذب نقیضها وهو (الروح لیست موجودة) فإذا علمت کذب هذا النقیض لابد أن تعلم صدق الأولى، لأن النقیضین لا یکذبان معا. وإذا برهنت على صدق النقیض لابد أن تعلم کذب الأولى لأن النقیضین لا یصدقان معا.
وربما یظن أن معرفة نقیض القضیة أمر ظاهر کمعرفة نقائض المفردات کالإنسان واللاإنسان التی یکفی فیها الاختلاف بالإیجاب والسلب. ولکن الأمر لیس بهذه السهولة إذ یجوز أن تکون الموجبة والسالبة صادقتین معا مثل: بعض الحیوان إنسان، وبعض الحیوان لیس بإنسان. ویجوز أن تکونا کاذبتین معا مثل: کل حیوان إنسان ولا شیء من الحیوان بإنسان.
وعلیه لا غنى للباحث عن الرجوع إلى قواعد التناقض المذکورة فی علم المنطق لتشخیص نقیض کل قضیة.
تعریف التناقض:
قد عرفت فیما سبق المقصود من التناقض الذی هو أحد أقسام التقابل ولنضعه هنا بعبارة جامعة فنیة فی خصوص القضایا، فنقول تناقض القضایا: (اختلاف فی القضیتین یقتضی لذاته أن تکون إحداهما صادقة والأخرى کاذبة).
ولابد من قید (لذاته) فی التعریف لأنه ربما یقتضی اختلاف القضیتین تخالفهما فی الصدق والکذب، ولکن لا لذات الاختلاف بل لأمر آخر، مثل: کل إنسان حیوان ولا شیء من الإنسان بحیوان فإنه لما کان الموضوع أخص من المحمول صدقت إحدى الکلیتین وکذبت الأخرى. أما لو کان الموضوع أعم من المحمول لکذبا معا نحو: کل حیوان إنسان ولا شیء من الحیوان بإنسان کما تقدم.
و نعنی بالاختلاف الذی یقتضی تخالفهما فی الصدق هو الاختلاف الذی یقتضی ذلک فی أیة مادة کانت القضیتان، ومهما کانت النسبة بین الموضوع والمحمول، کالاختلاف بین الموجبة الکلیة والسالبة الجزئیة.
شروط التناقض:
لابد لتحقق التناقض بین القضیتین من اتحادهما فی أمور ثمانیة، واختلافهما فی أمور ثلاثة:
الوحدات الثمان:
تسمى الأمور التی یجب اتحاد القضیتین المتناقضتین فیها (الوحدات الثمان) وهی ما یأتی:
1ـ (الموضوع) فلو اختلفا فیه لم یتناقضا مثل: العلم نافع، الجهل لیس بنافع.
2ـ (المحمول) فلو اختلفا فیه لم یتناقضا مثل: العلم نافع، العلم لیس بضار.
3- (الزمان) فلا تناقض بین (الشمس مشرقة) أی فی النهار وبین (الشمس لیست بمشرقة) أی فی اللیل.
4ـ (المکان) فلا تناقض بین (الأرض مخصبة) أی فی الریف وبین (الأرض لیست بمخصبة) أی فی البادیة.
5ـ (القوة والفعل) أی لابد من اتحاد القضیتین فی القوة والفعل فلا تناقض بین (محمد میت) أی بالقوة وبین (محمد لیس بمیت) أی بالفعل.
6ـ (الکل والجزء) فلا تناقض بین (العراق مخصب) أی بعضه وبین (العراق لیس بمخصب) أی کله. 7ـ (الشرط) فلا تناقض بین (الطالب ناجح آخر السنة) أی إن اجتهد وبین (الطالب غیر ناجح) أی إذا لم یجتهد.
8ـ (الإضافة) فلا تناقض بین (الأربعة نصف) أی بالإضافة إلى الثمانیة وبین (الأربعة لیست بنصف) أی بالإضافة إلى العشرة.
تنبیه:
هذه الوحدات الثمان هی المشهورة بین المناطقة. وبعضهم یضیف إلیها (وحدة الحمل) من ناحیة کونه حملا أولیا أو حملا شایعا. وهذا الشرط لازم، فیجب لتناقض القضیتین أن یتحدا فی الحمل، فلو کان الحمل فی إحداهما أولیا وفی الأخرى شایعا، فإنه یجوز أن یصدقا معا، مثل قولهم (الجزئی جزئی) أی بالحمل الأولی (الجزئی لیس بجزئی) أی بالحمل الشایع، لأن مفهوم الجزئی من مصادیق مفهوم الکلی، فإنه یصدق على کثیرین.
الاختلاف:
قلنا: لابد من اختلاف القضیتین المتناقضتین فی أمور ثلاثة. وهی (الکم والکیف والجهة).
لاختلاف بالکم والکیف:
أما الاختلاف بالکم والکیف فمعناه أن إحداهما إذا کانت موجبة کانت الأخرى سالبة، وإذا کانت کلیة کانت الثانیة جزئیة. وعلیه.
الموجبة الکلیة .. نقیض .. .. السالبة الجزئیة
الموجبة الجزئیة .. نقیض .. السالبة الکلیة
لأنهما لو کانتا موجبتین أو سالبتین لجاز أن یصدقا أو یکذبا معا. ولو کانتا کلیتین لجاز أن یکذبا معا، کما لو کان الموضوع أعم على ما مثلنا سابقا. ولو کانتا جزئیتین لجاز أن یصدقا معا، کما لو کان الموضوع أیضا أعم. نحو: بعض المعدن حدید. وبعض المعدن لیس بحدید.
الاختلاف بالجهة:
أما الاختلاف بالجهة، فأمر یقتضیه طبع التناقض کالاختلاف بالإیجاب والسلب لأن نقیض کل شیء رفعه فکما یرفع الإیجاب بالسلب والسلب بالإیجاب فلابد من رفع الجهة بجهة تناقضها.
ولکن الجهة التی ترفع جهة أخرى قد تکون من إحدى الجهات المعروفة فیکون لها نقیض صریح، مثل رفع الممکنة العامة بالضروریة وبالعکس، لأن الإمکان هو سلب الضرورة.
وقد لا تکون من الجهات المعروفة التی لها عندنا اسم معروف فلابد أن نلتمس لها جهة من الجهات المعروفة تلازمها، فنطلق علیها اسمها فلا یکون نقیضا صریحا بل لازم النقیض.
مثلا (الدائمة) تناقضها (المطلقة العامة) ولکن لا بالتناقض الصریح بل إحداهما لازمة لنقیض الأخرى، فإذا قلت: (الأرض متحرکة دائما)، فنقیضها الصریح سلب الدوام، ولکن سلب الدوام لیس من الجهات المعروفة، فنلتمس له جهة لازمة، فنقول: لازم عدم الدوام أن سلب التحرک عن الأرض حاصل فی زمن من الأزمنة أی (أن الأرض لیست متحرکة بالفعل). وهذه مطلقة عامة تکون لازمة لنقیض الدائمة.
وإذا قلت: (کل إنسان کاتب بالفعل)، فنقیضها الصریح إن الإنسان لم تثبت له الکتابة کذلک، أی بالفعل. ولازم ذلک دوام السلب أی (أن بعض الإنسان لیس بکاتب دائما) وهذه دائمة وهی لازمة لنقیض المطلقة العامة.
ولا حاجة إلى ذکر تفصیل نقائض الموجهات، فلتطلب من المطولات إن أرادها الطالب على أنه فی غنى عنها وننصحه ألا یتعب نفسه بتحصیلها فإنها قلیلة الجدوى.
من ملحقات التناقض:
التداخل والتضاد والدخول تحت التضاد:
تقدم أن التناقض فی المحصورات الأربع یقع بین الموجبة الکلیة والسالبة الجزئیة، وبین الموجبة الجزئیة والسالبة الکلیة، أی بین المختلفتین فی الکم والکیف.
ویبقى أن تلاحظ النسبة بین البواقی أی بین المختلفتین بالکم فقط أو بالکیف فقط، ومعرفة هذه النسب تنفع أیضا فی الاستدلال على قضیة لمعرفة قضیة أخرى لها نسبة معها کما سیأتی: وعلیه نقول: المحصورتان إن اختلفتا کماً وکیفاً فهما المتناقضتان وقد تقدم التناقض. وإن اختلفتا فی أحدهما فقط فعلى ثلاثة أقسام.
1ـ (المتداخلتان) وهما المختلفتان فی الکم دون الکیف أعنی الموجبتین أو السالبتین. وسمیتا متداخلتین لدخول إحداهما فی الأخرى لأن الجزئیة داخلة فی الکلیة.
ومعنى ذلک: أن الکلیة إذا صدقت، صدقت الجزئیة المتحدة معها فی الکیف ولا عکس.
ولازم ذلک أن الجزئیة إذا کذبت، کذبت الکلیة المتحدة معها فی الکیف ولا عکس.
مثلا (کل ذهب معدن) فإنها صادقة ولابد أن تصدق معها (بعض الذهب معدن) قطعا.
ومثل (بعض الذهب أسود) فإنها کاذبة ولابد أن تکذب معها (کل ذهب أسود).
2ـ (المتضادتان) وهما المختلفتان فی الکیف دون الکم، وکانتا کلیتین، وسمیتا متضادتین لأنهما کالضدین یمتنع صدقهما معا ویجوز أن یکذبا معا.
ومعنى ذلک أنه إذا صدقت إحداهما لابد أن تکذب الأخرى ولا عکس، أی لو کذبت إحداهما لا یجب أن تصدق الأخرى.
فمثلاً إذا صدق (کل ذهب معدن) یجب أن یکذب (لا شیء من الذهب بمعدن).
ولکن إذا کذب (کل معدن ذهب) لا یجب بأن یصدق (لا شیء من المعدن بذهب)، بل هی کاذبة فی المثال.
3ـ (الداخلتان تحت التضاد) وهما المختلفتان فی الکیف دون الکم، وکانتا جزئیتین. وإنما سمیتا داخلتین تحت التضاد لأنهما داخلتان تحت الکلیتین، کل منهما تحت الکلیة المتفقة معها فی الکیف من جهة، ولأنهما على عکس الضدین فی الصدق والکذب، أی أنهما یمتنع اجتماعهما على الکذب ویجوز أن یصدقا معاً.
ومعنى ذلک: أنه إذا کذبت إحداهما لابد أن تصدق الأخرى ولا عکس، أی أنه لو صدقت إحداهما لا یجب أن تکذب الأخرى.
فمثلاً إذا کذب (بعض الذهب أسود) فإنه یجب أن یصدق (بعض الذهب لیس بأسود).
ولکن إذا صدق (بعض المعدن ذهب) لا یجب أن یکذب (بعض المعدن لیس بذهب)، بل هذه صادقة فی المثال.
***
العکوس
سبق فی أول هذا الفصل أن قلنا: أن الباحث قد یحتاج للاستدلال على مطلوبة إلى أن یبرهن على قضیة أخرى لها علاقة مع مطلوبة یستنبط من صدقها صدق القضیة المطلوبة للملازمة بینهما فی الصدق. وهذه الملازمة واقعة بین کل قضیة و (عکسها المستوی) وبینها وبین (عکس نقیضها).
فنحن الآن نبحث عن القسمین:
العکس المستوی
أما العکس المستوی فهو: (تبدیل طرفی القضیة مع بقاء الکیف والصدق).
أی أن القضیة المحکوم بصدقها تحول إلى قضیة تتبع الأولى فی الصدق وفی الإیجاب والسلب، بتبدیل طرفی الأولى بأن یجعل موضوع الأولى محمولا فی الثانیة والمحمول موضوعا، أو المقدم تالیا والتالی مقدما.
وتسمى الأولى (الأصل) والثانیة (العکس المستوی). فکلمة (العکس) هنا لها اصطلاحان:
اصطلاح فی نفس التبدیل، واصطلاح فی القضیة التی وقع فیها التبدیل.
ومعنى أن العکس تابع للأصل فی الصدق: أن الأصل إذا کان صادقا وجب صدق العکس. ولکن لا یجب أن یتبعه فی الکذب، فقد یکذب الأصل والعکس صادق. ولازم ذلک أن الأصل لا یتبع عکسه فی الصدق ولکن یتبعه فی الکذب فإذا کذب العکس کذب الأصل، لأنه لو صدق الأصل یلزم منه صدق العکس والمفروض کذبه.
فهنا قاعدتان تنفعان فی الاستدلال:
1ـ إذا صدق الأصل صدق عکسه.
2ـ إذا کذب العکس کذب أصله.
وهذه القاعدة الثانیة متفرعة على الأولى. کما علمت.
شروط العکس:
علمنا أن العکس إنما یحصل بشروط ثلاثة: تبدیل الطرفین وبقاء الکیف وبقاء الصدق. أما الکم فلا یشترط بقاؤه، وإنما الواجب بقاء الصدق وهو قد یقتضی بقاء الکم فی بعض القضایا وقد یقتضی عدمه فی البعض الآخر.
والمهم فیما یأتی معرفة القضیة التی یقتضی بقاء الصدق فی عکسها بقاء الکم أو عدم بقائه. ولو تبدل الطرفان وکان الکیف باقیا. ولکن لم یبق الصدق، فلا یسمى ذلک عکسا. بل یسمى (انقلابا).
الموجبتان تنعکسان موجبة جزئیة:
أی أن الموجبة الکلیة تنعکس موجبة جزئیة. والموجبة الجزئیة تنعکس کنفسها. فإذا قلت:
کل حـ ب فعکسها ع ب حـ
و ع حـ ب فعکسها ع ب حـ
ولا ینعکسان إلى کل ب حـ
البرهان:
(1) فی الکلیة: أن المحمول فیها إما أن یکون أعم من الموضوع أو مساویا له.
وعلى التقدیرین تصدق الجزئیة قطعا لأن الموضوع فی التقدیرین یصدق على بعض أفراد المحمول، فإذا قلت:
کل ماء سائل یصدق بعض السائل ماء
وکل إنسان ناطق یصدق بعض الناطق إنسان
ولکن لا تصدق الکلیة على کل تقدیر، لأن الموضوع فی التقدیر الأول لا یصدق على جمیع أفراد المحمول، لأنه أخص من المحمول، فإذا قلت:
(کل سائل ماء) فالقضیة کاذبة وهو المطلوب
(2) وفی الجزئیة: إما أن یکون المحمول أعم مطلقا من الموضوع أو أخص مطلقا، أو أعم من وجه، أو مساویا. وعلى بعض هذه التقادیر وهو التقدیر الأول والثالث لا یصدق العکس موجبة کلیة، لأنه إذا کان المحمول أعم مطلقا أو من وجه فإن الموضوع لا یصدق على جمیع أفراد المحمول إنما یصدق لو کان أخص أو مساویا. أما عکسه إلى الموجبة الجزئیة فإنه یصدق على کل تقدیر، فإذا قلت:
بعض السائل ماء یصدق بعض الماء سائل
وبعض الماء سائل یصدق بعض السائل ماء
وبعض الطیر أبیض یصدق بعض الأبیض طیر
وبعض الإنسان ناطق یصدق بعض الناطق إنسان
السالبة الکلیة تنعکس سالبة کلیة:
فیبقى الکم والکیف معا، فإذا صدق قولنا:
لا شیء من الحیوان بشجر صدق لا شیء من الشجر بحیوان
والبرهان واضح: لأن السالبة الکلیة لا تصدق إلا مع تباین الموضوع والمحمول تباینا کلیا.
والمتباینان لا یجتمعان أبدا، فیصح سلب کل منهما عن جمیع أفراد الآخر، سواء جعلت هذا موضوعا أو ذاک موضوعا.
وللتدریب على إقامة البراهین من طریق النقیض والعکس نقیم البرهان على هذا الأمر بالصورة الآتیة:
المفروض لا ب حـ قضیة صادقة
المدعى لا حـ ب صادقة أیضا
البرهان:
لو لم تصدق لا حـ ب
لصدق نقیضها ع حـ ب
ولصدق ع ب حـ (العکس المستوی للنقیض)
وإذا لاحظنا هذا العکس المستوی (ع ب حـ) ونسبناه الى الأصل (لا ب حـ) وجدناه نقیضا له، فلو کان (ع ب حـ) صادقا وجب أن یکون (لا ب حـ) کاذبا، مع أن المفروض صدقه.
فوجب أن تکون لا حـ ب صادقة وهو المطلوب.
تعقیب:
بهذا البرهان تعرف الفائدة فی النقیض والعکس المستوی عند الاستدلال لأنا لابد أن نرجع فی هذا البرهان إلى الوراء، فنقول:
المفروض أن لا ب حـ صادقة
فتکذب ع ب حـ نقیضها
وهذا النقیض عکس ع حـ ب فیکذب أیضا
لانه إذا کذب العکس کذب الأصل (القاعدة الثانیة)
وإذا کذب هذا الأصل أعنی ع حـ ب
صدق نقیضه لا حـ ب وهو المطلوب
فاستفدت (تارة) من صدق الأصل کذب نقیضه و (أخرى) من کذب العکس کذب أصله و (ثالثة) من کذب الأصل صدق نقیضه.
و سیمر علیک مثل هذا الاستدلال کثیرا فدقق فیه جیدا وعلیک بإتقانه.
+ السالبة الجزئیة لا عکس لها:
أی لا تنعکس أبدا لا إلى کلیة ولا إلى جزئیة، لأنه یجوز أن یکون موضوعها أعم من محمولها مثل (بعض الحیوان لیس بإنسان). والأخص لا یجوز سلب الأعم عنه بحال من الأحوال لا کلیا ولا جزئیا، لأنه کلما صدق الأخص صدق الأعم معه، فکیف یصح سلب الأعم عنه، فلا یصدق قولنا (لا شیء من الإنسان بحیوان) ولا قولنا (بعض الإنسان لیس بحیوان).
+ المنفصلة لا عکس لها:
أشرنا فی صدر البحث إلى أن العکس المستوی یعم الحملیة والشرطیة: ولکن عند التأمل نجد أن المنفصلة لا ثمرة لعکسها لأنها أقصى ما تدل علیه تدل على التنافی بین المقدم والتالی. ولا ترتیب طبیعی بینهما، فأنت بالخیار فی جعل أیهما مقدما والثانی تالیا من دون أن یحصل فرق فی البین، فسواء إن قلت: العدد إما زوج أو فرد، أو قلت: العدد إما فرد أو زوج فإن مؤداهما واحد.
فلذا قالوا: المنفصلة لا عکس لها. أی لا ثمرة فیه.
نعم لو حولتها إلى حملیة فإن أحکام الحملیة تشملها، کما لو قلت فی المثال مثلا: العدد ینقسم إلى زوج وفرد فإنها تنعکس إلى قولنا: ما ینقسم إلى زوج وفرد عدد.
عکس النقیض
عکس النقیض وهو العکس الثانی للقضیة الذی یستدل بصدقها على صدقه. وله طریقتان:
1ـ طریقة القدماء، ویسمى (عکس النقیض الموافق) لتوافقه مع أصله فی الکیف وهو (تحویل القضیة إلى أخرى موضوعها نقیض محمول الأصل ومحمولها نقیض موضوع الأصل مع بقاء الصدق والکیف).
وبالاختصار هو: (تبدیل نقیضی الطرفین مع بقاء الصدق والکیف).
فالقضیة: کل کاتب إنسان، تحول بعکس النقیض الموافق الى:
کل (لا إنسان) هو (لا کاتب)
2ـ طریقة المتأخرین، ویسمى (عکس النقیض المخالف) لتخالفه مع أصله فی الکیف وهو (تحویل القضیة إلى أخرى موضوعها نقیض محمول الأصل ومحمولها عین موضوع الأصل مع بقاء الصدق دون الکیف).
فالقضیة: کل کاتب إنسان، تحول بعکس النقیض المخالف إلى:
لا شیء من (اللاإنسان) بکاتب
قاعدة عکس النقیض من جهة الکم:
حکم السوالب هنا حکم الموجبات فی العکس المستوی، وحکم الموجبات حکم السوالب هناک، أی أن:
1ـ السالبة الکلیة تنعکس جزئیة: سالبة فی الموافق وموجبة فی المخالف.
2ـ السالبة الجزئیة تنعکس جزئیة أیضا: سالبة فی الموافق موجبة فی المخالف.
3ـ الموجبة الکلیة تنعکس کلیة: موجبة فی الموافق سالبة فی المخالف.
4ـ الموجبة الجزئیة لا تنعکس أصلا بعکس النقیض.
البرهان:
ولابد من إقامة البرهان على کل واحد من تلک الأحکام السابقة، وفی هذه البراهین تدریب للطالب على الاستفادة من النقیض والعکس فی الاستدلال. وقد استعملنا الأسلوب المتبع فی الهندسة النظریة لإقامة البرهان. فمن ألف أسلوب الکتب الهندسیة یسهل علیه ذلک. وقد تقدم مثال منه فی البرهان على عکس السالبة الکلیة بالعکس المستوی موضحا.
ویجب أن یعلم أنا نرمز للنقیض بحرف علیه فتحة للإختصار وللتوضیح. فی کل ما سیأتی على هذا النحو:
بَ ................نقیض الموضوع
حـَ ................ نقیض المحمول
+ برهان عکس السالبة الکلیة:
فلأجل إثبات عکس السالبة الکلیة بعکس النقیض نقیم برهانین: برهانا على عکسها بالموافق وبرهانا على عکسها بالمخالف، فنقول:
(أولا) المدعى أنها تنعکس سالبة جزئیة بعکس النقیض الموافق ولا تنعکس سالبة کلیة فهنا مطلوبان، أی أنه إذا صدقت.
لا ب حـ
صدقت س حـَ بَ (المطلوب الأول)
ولا تصدق لا حـَ بَ (المطلوب الثانی)
البرهان:
إن من المعلوم:
1ـ أن السالبة الکلیة لا تصدق إلا إذا کان بین طرفیها تباین کلی. وهذا بدیهی.
2ـ أن النسبة بین نقیضی المتباینین هی التباین الجزئی وقد تقدم البرهان على ذلک فی بحث النسب فی الجزء الأول.
3ـ أن مرجع التباین الجزئی إلى سالبتین جزئیتین کما أن مرجع التباین الکلی إلى سالبتین کلیتین. وهذا بدیهی أیضا.
وینتج من هذه المقدمات الثلاث أنه:
إذا صدق لا ب حـ (أی یکون بین الطرفین تباین کلی)
صدقت س بَ جـَ السالبة الجزئیة بین النقیضین
وصدقت أیضا س حـَ بَ السالبة الجزئیة بین النقیضین
وهو (المطلوب الأول)
ثم یفهم من المقدمة الثانیة أن التباین الکلی لا یتحقق دائما بین نقیضی المتباینین إذ ربما یکون بینهما العموم والخصوص من وجه.
أی أن السالبة الکلیة بین نقیضی المتباینین لا تصدق دائما.
أو فقل لا تصدق دائما لا حـَ بَ (المطلوب الثانی)
(ثانیا) المدعى أن السالبة الکلیة تنعکس موجبة جزئیة بعکس النقیض المخالف ولا تنعکس موجبة کلیة فهنا مطلوبان أی أنه إذا صدقت:
لا ب حـَ
صدقت ع حـَ ب (المطلوب الأول)
ولا تصدق کل حـَ ب (المطلوب الثانی)
البرهان:
لما کان بین ب حـ تباین کلی کما تقدم فمعناه أن احدهما یصدق مع نقیض الآخر.
أی أن ب یصدق مع حـَ
وإذا تصادق ب و حـَ
صدق على الأقل ع حـَ ب (المطلوب الأول)
ثم أنه تقدم أن نقیضی المتباینین قد تکون بینهما نسبة العموم والخصوص من وجه فیصدق على هذا التقدیر:
حـَ مع ب
ولا یصدق حینئذ حـَ مع ب والا لاجتمع النقیضان ب بَ
فلا یصدق کل حـَ ب (المطلوب الثانی)
برهان عکس السالبة الجزئیة:
ولأجل إثبات عکس السالبة الجزئیة بعکس النقیض أیضا نقیم برهانین للموافق والمخالف فنقول: (أولا) المدعى أن السالبة الجزئیة تنعکس سالبة جزئیة بعکس النقیض الموافق ولا تنعکس کلیة فهنا مطلوبان أی أنه إذا صدقت:
س ب حـ
صدقت س حـ ب (المطلوب الأول)
ولا تصدق لا حـَ بَ (المطلوب الثانی)
البرهان:
من المعلوم أن السالبة الجزئیة تصدق فی ثلاثة فروض:
1ـ أن یکون بین طرفیها عموم من وجه. وحینئذ یکون بین نقیضیهما تباین جزئی کما تقدم فی بحث النسب.
2ـ أن یکون بینهما تباین کلی وبین نقیضیهما أیضا تباین جزئی کما تقدم.
3ـ أن یکون الموضوع أعم مطلقاً من المحمول فیکون نقیض المحمول أعم مطلقا من نقیض الموضوع.
وعلى جمیع هذه التقاریر الثلاثة تصدق السالبة الجزئیة:
س حَـ بَ (المطلوب الأول)
إما للتباین الجزئی بینهما أو لأن نقیض حـ أعم مطلقا من نقیض ب.
ثم على بعض التقاریر یکون بین نقیضی الطرفین عموم وخصوص من وجه أو مطلقا فلا تصدق السالبة الکلیة:
لا حَـ بَ (المطلوب الثانی)
(ثانیا) المدعى أن السالبة الجزئیة تنعکس موجبة جزئیة بعکس النقیض المخالف ولا تنعکس کلیة فهنا مطلوبان أی إذا صدقت:
س ب حـ
صدقت ع حـَ ب (المطلوب الأول)
ولا تصدق کل حـَ ب (المطلوب الثانی)
البرهان:
تقدم أن على جمیع التقادیر الممکنة للموضوع والمحمول فی السالبة الجزئیة إما أن یکون بین نقیضیهما تباین جزئی أو أن نقیض المحمول اعم مطلقا فیلزم على التقدیرین أن یصدق: بعض حَـ بدون بَ
فیصدق بعض حَـ مع ب
لأن النقیضین (وهما بَ ب) لا یرتفعان
أی یصدق ع حَـ ب (المطلوب الأول)
ثم أن نقیضی الموضوع والمحمول قد یکون بینهما عموم من وجه.
وقد تصدق ع حَـ بَ
ویمکن تحویلها إلى س حَـ ب صادقة
لان الأولى موجبة معدولة المحمول فیمکن جعلها سالبة محصلة المحمول إذ السالبة المحصلة المحمول أعم من الموجبة المعدولة المحمول إذا اتفقا فی الکم وإذا صدق الأخص صدق الأعم قطعا فإذا کانت:
س حَـ ب صادقة
کذب نقیضها کل حَـ ب (المطلوب الثانی)
برهان عکس الموجبة الکلیة:
ولأجل إثبات عکس الموجبة الکلیة بعکس النقیض نقیم أیضا برهانین للموافق والمخالف فنقول: (أولا) المدعى أنها تنعکس موجبة کلیة بعکس النقیض الموافق أی أنه إذا صدقت:
کل ب حـ (المفروض)
صدقت کل حَـ ب (المطلوب)
البرهان:
لو لم تصدق کل حَـ بَ
لصدقت س حَـ بَ نقیضها
فتصدق س ب حـ (عکس نقیضها الموافق)
فتکذب کل ب حـ (نقیض العکس المذکور)
وهذا خلف أی خلاف الفرض لأن هذا (نقیض العکس المذکور) هو نفس الأصل المفروض صدقه.
فوجب أن تصدق کل حَـ بَ (وهو المطلوب)
(ثانیا) المدعى أن الموجبة الکلیة تنعکس سالبة کلیة بعکس النقیض المخالف أی أنه إذا صدقت:
کل ب حـ (المفروض)
صدقت لا حـ ب (المطلوب)
البرهان:
لو لم تصدق لا حَـ ب
لصدقت ع حَـ ب نقیضها
فتصدق ع ب حَـ عکسها المستوی
وهذه موجبة جزئیة معدولة المحمول فتحول الى سالبة جزئیة محصلة المحمول وقد تقدم فیحدث أن:
س ب حـ
فتکذب کل ب حـ نقیضها
وهذا خلف لأنه الأصل المفروض صدقه
فوجب أن تصدق لا حَـ ب (وهو المطلوب)
الموجبة الجزئیة لا تنعکس:
یکفینا للبرهنة على عدم انعکاس الموجبة الجزئیة بعکس النقیض الموافق والمخالف مطلقا أن نبرهن على عدم انعکاسها إلى الجزئیة. وبطریق أولى یعلم عدم انعکاسها إلى الکلیة لأنه تقدم أن الجزئیة داخلة فی الکلیة فإذا کذبت الجزئیة کذبت الکلیة. وعلیه فنقول:
(أولا) المدعى أن الموجبة الجزئیة لا تنعکس إلى موجبة جزئیة بعکس النقیض الموافق.
فإذا صدقت ع ب حـ
لا یلزم أن تصدق ع حـ بَ
البرهان:
من موارد صدق الموجبة الجزئیة أن یکون بین طرفیها عموم من وجه فیکون حینئذ بین نقیضیهما نسبة التباین الجزئی الذی هو أعم من التباین الکلی والعموم من وجه فیصدق على تقدیر التباین الکلی:
لا حـ ب
فیکذب نقیضها ع حـ ب (وهو المطلوب)
(ثانیا) المدعى أن الموجبة الجزئیة لا تنعکس الى السالبة الجزئیة بعکس النقیض المخالف.
فإذا صدقت ع ب حـ
لا یلزم أن تصدق س حـ ب
البرهان:
قد تقدم على تقدیر التباین الکلی بین نقیضی الطرفین فی الموجبة الجزئیة والسالبة الکلیة:
لا حـ ب
فتصدق کل حَـ ب لان سلب السلب إیجاب
فیکذب نقیضها س حَـ ب (وهو المطلوب)
ولأجل أن یتضح لک عدم انعکاس الموجبة الجزئیة بعکس النقیض تدبر هذا المثال وهو (بعض اللاإنسان حیوان) فإن هذه القضیة لا تنعکس بعکس النقیض الموافق الى (بعض اللاحیوان إنسان) ولا إلى (کل لا حیوان إنسان) لأنهما کاذبتان لأنه لا شیء من اللاحیوان بإنسان.
ولا تنعکس بالمخالف إلى (لیس لا حیوان لا إنسان) ولا إلى (لا شیء من اللاحیوان بلا إنسان) لأنهما کاذبتان أیضا لأن کل لا حیوان هو لا إنسان.
من ملحقات العکوس: النقض
من المباحث التی لا تقل شأنا عن العکوس فی استنباط صدق القضیة من صدق أصلها مباحث (النقض) فلا بأس بالتعرض لها إلحاقا لها بالعکوس فنقول:
النقض: هو تحویل القضیة إلى أخرى لازمة لها فی الصدق مع بقاء طرفی القضیة على موضعهما. وهو على ثلاثة أنواع:
1ـ أن یجعل نقیض موضوع الأولى موضوعا للثانیة ونفس محمولها محمولا ویسمى هذا التحویل (نقض الموضوع) والقضیة المحولة (منقوضة الموضوع).
2ـ أن یجعل نفس موضوع الأولى موضوعا للثانیة ونقیض محمولها محمولا ویسمى التحویل (نقض المحمول) والقضیة المحولة (منقوضة المحمول).
3ـ أن یجعل نقیض الموضوع موضوعا ونقیض المحمول محمولا. ویسمى التحویل (النقض التام). والقضیة المحولة (منقوضة الطرفین).
ولنبحث عن قاعدة کل واحد من هذه الأنواع. ولنبدأ بقاعدة نقض المحمول لأنه الباب للباقی کما ستعرف السر فی ذلک:
قاعدة نقض المحمول:
علینا لاستخراج منقوضة المحمول صادقة ـ على تقدیر صدق أصلها ـ أن نغیر کیف القضیة ونستبدل محمولها بنقیضه. مع بقاء الموضوع على حاله وبقاء الکم.
ولابد من إقامة البرهان على منقوضة محمول کل واحدة من المحصورات فنقول:
1ـ (الموجبة الکلیة) منقوضة محمولها سالبة کلیة نحو: کل إنسان حیوان، فتحول بنقض محمولها إلى: (لا شیء من الإنسان بلا حیوان).
وللبرهان على ذلک نقول:
إذا صدقت کل ب حـ (المفروض)
صدقت لا ب حـ (المطلوب)
البرهان:
إذا صدقت کل ب حـ
صدقت لا حَـ ب عکس نقیضها المخالف
وینعکس بالعکس المستوی إلى لا ب حَـ وهو المطلوب
2ـ (الموجبة الجزئیة) منقوضة محمولها سالبة جزئیة نحو: بعض الحیوان إنسان، فتتحول بنقض محمولها إلى: (لیس کل حیوان لا إنسان) أی أنه إذا صدقت:
ع ب حـ (المفروض)
صدقت س ب حَـ (المطلوب)
البرهان:
لو لم تصدق س ب حَـ
لصدق نقیضها کل ب حَـ
فتصدق لا ب حـ (نقض المحمول)
فیکذب نقیضها ع ب حـ
ولکنه عین الأصل فهو خلاف الفرض.
فیجب ان یصدق س ب حَـ (وهو المطلوب)
3ـ (السالبة الکلیة) منقوضة محمولها موجبة کلیة نحو: لا شیء من الماء بجامد، فتتحول بنقض محمولها إلى: (کل ماء غیر جامد).
أی أنه إذا صدقت:
لا ب حـ (المفروض)
صدقت کل ب حَـ (المطلوب)
البرهان:
لو لم تصدق کل ب حَـ
لصدق نقیضها س ب حَـ
فتصدق ع ب حـ لأن سلب السلب ایجاب
فیکذب نقیضها لا ب حـ
ولکنه عین الأصل فهو خلاف الفرض.
فیجب أن یصدق کل ب حَـ (وهو المطلوب)
4ـ (السالبة الجزئیة) منقوضة محمولها موجبة جزئیة نحو: لیس کل معدن ذهبا، فتتحول بنقض محمولها إلى: (بعض المعدن غیر ذهب). أی أنه إذا صدقت:
س ب حـ (المفروض)
صدقت ع ب حَـ (المطلوب)
البرهان:
إذا صدقت س ب حـ (الأصل)
صدقت ع حَـ ب (عکس النقیض المخالف)
وینعکس بالعکس المستوی الى ع ب حَـ وهو المطلوب.
تنبیهان
1. طریقة تحویل الأصل:
(التنبیه الأول) الطریقة التی اتبعناها فی البرهان على منقوضة محمول الموجبة الکلیة والسالبة الجزئیة طریقة جدیدة فی البرهان ینبغی أن نسمیها الآن (طریقة تحویل الأصل) قبل مجیء بحث القیاس فتدخل فی أحد أقسامه کالطریقة السابقة التی سمیناها: (طریقة البرهان على کذب النقیض).
وقد رأیت أننا فی هذه الطریقة (طریقة تحویل الأصل) أجرینا التحویلات التی سبقت معرفتنا لها على الأصل ثم على المحول من الأصل تباعا حتى انتهینا إلى المطلوب: فقد رأیت فی الموجبة الکلیة أنا حولنا الأصل إلى عکس النقیض المخالف فیصدق على تقدیر صدق أصله ثم حولنا هذا العکس إلى العکس المستوی فخرج لنا نفس المطلوب أعنی (منقوضة المحمول) فیصدق التحویل الثانی على تقدیر صدق عکس نقیض الأصل (التحویل الأول) الصادق على تقدیر صدق الأصل فیصدق التحویل الثانی على تقدیر صدق الأصل وهذا هو المقصود إثباته فتوصلنا إلى المطلوب بأقصر طریق.
وسنتبع هذه الطریقة السهلة فیما یأتی لنقض الموضوع والنقض التام ویمکن إجراؤها أیضا فی البرهان على عکوس النقیض باستخدام منقوضة المحمول. وعلى الطالب أن یستعمل الحذق وینتبه إلى أنه أی التحویلات ینبغی استخدامه حتى یتوصل إلى مطلوبه.
2. تحویل معدولة المحمول:
(التنبیه الثانی) وقد استعملنا فی عکس النقیض ونقض المحمول طریقتین من التحویل الملازم للأصل فی الصدق وفی الحقیقة هما من باب نقض المحمول ولکن لبداهتهما استدللنا بهما قبل أن یأتی البرهان على منقوضة المحمول ولذا لم نسمها بنقض المحمول وهما:
أ ـ (تحویل الموجبة المعدولة إلى سالبة محصلة المحمول موافقة لها فی الکم) لأن مؤداهما واحد وإنما الفرق أن السلب محمول فی الموجبة والحمل مسلوب فی السالبة.
ب ـ تحویل السالبة المعدولة المحمول إلى موجبة محصلة المحمول موافقة لها فی الکم لأنه سلب إیجاب. وهذا بدیهی واضح.
قاعدة النقض التام ونقض الموضوع
لاستخراج (منقوضة الطرفین) صادقة، علینا أن نستبدل بموضوع القضیة الأصلیة نقیضه فنجعله موضوعا وبمحمولها نقیضه فنجعله محمولا مع تغییر الکم دون الکیف.
ولاستخراج (منقوضة الموضوع) صادقة، علینا أن نستبدل بموضوع القضیة الأصلیة نقیضه فنجعله موضوعا ونبقی المحمول على حاله مع تغییر الکم والکیف معا.
ولا ینقض بهذین النقضین إلا الکلیتان. ولابد من البرهان لکل من المحصورات:
1ـ (الموجبة الکلیة) نقضها التام موجبة جزئیة، ونقض موضوعها سالبة جزئیة، نحو: کل فضة معدن، فنقضها التام: (بعض اللافضة هو لا معدن) ونقض موضوعها: (بعض اللافضة لیس هو معدنا).
وللبرهان على ذلک نقول:
المفروض صدق کل ب حـ
والمدعى صدق ع بَ حَـ (المطلوب الأول)
وصدق س بَ حـ (المطلوب الثانی)
البرهان:
إذا صدق کل ب حـ
صدق کل حَـ بَ عکس النقیض الموافق
فیصدق عکسه المستوی ع بَ حَـ (وهو المطلوب الأول)
وتنقض محمول هذا الأخیر فیحدث س بَ حـ (وهو المطلوب الثانی)
2ـ (السالبة الکلیة) نقضها التام سالبة جزئیة ونقض موضوعها موجبة جزئیة نحو: لا شیء من الحدید بذهب، فنقضها التام: (بعض اللاحدید لیس بلا ذهب) ونقض موضوعها: (بعض اللاحدید ذهب).
وللبرهان على ذلک نقول:
المفروض صدق لا ب حـ
والمدعى صدق س بَ حَـ (المطلوب الأول)
وصدق ع بَ حَـ (المطلوب الثانی)
البرهان:
إذا صدق لا ب حـ
صدق لا حـ ب العکس المستوی
فیصدق عکس نقیضه الموافق س بَ حَـ (وهو المطلوب الأول)
وننقض محمول هذا التخیر فیحدث ع بَ حـ (وهو المطلوب الثانی)
3ـ و 4ـ (الجزئیتان) لیس لهما نقض تام ولا نقض موضوع. وللبرهنة على ذلک یکفی البرهان على عدم نقضهما إلى الجزئیة فیعلم بطریق أولى عدم نقضهما إلى الکلیة کما قدمنا فی عدم انعکاس الموجبة الجزئیة بعکس النقیض فنقول:
(فی الموجبة الجزئیة):
المفروض صدق ع ب حـ
المدعى لا تصدق دائما ع بَ حَـ (المطلوب الأول)
ولا تصدق دائما س بَ حَـ (المطلوب الثانی)
البرهان:
تقدم فی عکس النقیض فی الموجبة الجزئیة أن فی بعض تقادیرها تکون النسبة بین نقیضی طرفیها التباین الکلی فتصدق حینئذ السالبة الکلیة:
لا بَ حَـ
فیکذب نقیضها ع بَ حَـ (وهو المطلوب الأول)
وتصدق أیضا منقوضة محمول هذه السالبة الکلیة
کل بَ حـ
فیکذب نقیضها س بَ حَـ (وهو المطلوب الثانی)
(وفی السالبة الجزئیة):
المفروض صدق س ب حـ
والمدعى لا تصدق دائما س بَ حَـ (المطلوب الأول)
ولا تصدق دائما ع بَ حـ (المطلوب الثانی)
البرهان:
فی السالبة الجزئیة قد یکون الموضوع أعم من المحمول مطلقا نحو: بعض الحیوان لیس بإنسان ولما کان:
(أولا) نقیض الأعم أخص من نقیض الأخص مطلقا. فتصدق إذن الموجبة الکلیة:
کل بَ حَـ
فیکذب نقیضها س بَ حَـ (وهو المطلوب الأول)
و(ثانیا) نقیض الأعم یباین عین الأخص تباینا کلیا فتصدق إذن السالبة الکلیة:
لا بَ حـ
فیکذب نقیضها ع بَ حـ (وهو المطلوب الثانی).
لوح نسب المحصورات
وقد جرت عادة المنطقیین من القدیم أن یضعوا لتناسب المحصورات جمیعا لأجل توضحیها لوحا على النحو الآتی:
لوح نسب المحصورات:
الأصل: کل ب ح * ع ب ح * لا ب ح * س ب ح
النقیض: س ب ح * لا ب ح * ع ب ح * کل ب ح
العکس المستوی: ع ح ب * ع ح ب * لا ح ب * .......
عکس النقیض الموافق: ک حَ بَ * ....... * س حَ بَ * س حَ بَ
عکس النقیض المخالف: لا حَ ب * ....... * ع حَ ب * ع حَ ب
نقض المحمول: لا ب ح * س ب حَ * کل ب حَ * ع ب حَ
نقض الطرفین: ع بَ ح * ......... * س بَ حَ * .........
نقض الموضوع: س بَ ح * ......... * ع بَ ح * .........
البدیهة المنطقیة أو الاستدلال المباشر البدیهی
جمیع ما تقدم من أحکام القضایا (النقیض والعکوس والنقض) هی من نوع الاستدلال المباشر بالنسبة إلى القضیة المحولة عن الأصل أی النقیض والعکس والنقض لأنه یستدل فی النقض من صدق إحدى القضیتین على کذب الأخرى وبالعکس ویستدل فی الباقی من صدق الأصل على صدق ما حول إلیه عکسا أو نقضا أو من کذب العکس والنقض على کذب الأصل.
وسمیناه مباشرا لأن انتقال الذهن إلى المطلوب أعنی کذب القضیة أو صدقها إنما یحصل من قضیة واحدة معلومة فقط بلا توسط قضیة أخرى.
وقد تقدم البرهان على کل نوع من أنواع الاستدلال المباشر. وبقی نوع آخر منه بدیهی لا یحتاج إلى أکثر من بیانه. وقد یسمى (البدیهیة المنطقیة) فنقول:
من البدیهیات فی العلوم الریاضیة أنه إذا أضفت شیئا واحداً إلى کل من الشیئین المتساویین فإن نسبة التساوی لا تتغیر فلو کان:
ب = حـ
وأضفت إلى کل منهما عددا معینا مثل عدد (4) لکان:
ب + 4 = حـ + 4
وکذلک إذا طرحت من کل منهما عددا معینا أو ضربتهما فیه أو قسمتهما علیه کعدد 4 فإن نسبة التساوی لا تتغیر فیکون:
ب – 4 = حـ – 4
و ب * 4 = حـ * 4
و ب ÷ 4 = حـ ÷ 4
وکذا لا تتغیر النسبة لو کان ب أکبر من حَ أو أصغر منه فإنه یکون:
ب + 4 أکبر من حـ + 4 أو أصغر منه
و ب – 4 أکبر من حـ – 4 أو أصغر منه وهکذا
ونظیر ذلک نقول فی القضیة فإنه لو صح أن تزید کلمة على موضوع القضیة ونفس الکلمة على محمولها فإن نسبة القضیة لا تتغیر بمعنى بقاء الکم والکیف والصدق.
فإذا صدق: کل إنسان حیوان وأضفت کلمة (رأس) إلى طرفیها
صدق: کل (رأس) إنسان (رأس) حیوان.
أو أضفت کلمة (یحب) مثلا
صدق: کل (من یحب) إنسانا (یحب) حیوانا
وإذا صدق: لا شیء من الحیوان بحجر
صدق: لا شیء من الحیوان (مستلقیا) بحجر (مستلقیا)
وإذا صدق: بعض المعدن لیس بذهب
صدق: بعض (قطعة) المعدن لیس (بقطعة) ذهب
وهکذا یمکن لک أن تحول کل قضیة صادقة إلى قضیة أخرى صادقة بزیادة کلمة تصح زیادتها على الموضوع والمحمول معا بغیر تغییر فی کم القضیة وکیفها سواء کانت الکلمة مضافة أو حالا أو وصفا أو فعلا أو أی شیء آخر من هذا القبیل.
***
*الباب الخامس: مباحث الاستدلال *
الباب الخامس: الحجة وهیئة تألیفها أو مباحث الاستدلال:
تصدیر:
إن أسمى هدف للمنطقی وأقصى مقصد له (مباحث الحجة) أی مباحث المعلوم التصدیقی الذی یستخدم للتوصل إلى معرفة المجهول التصدیقی. أما ما تقدم من الأبواب فکلها فی الحقیقة مقدمات لهذا المقصد حتى مباحث المعرف لأن المعرف إنما یبحث عنه لیستعان به على فهم مفردات القضیة من الموضوع والمحمول.
و (الحجة) عندهم عبارة عما یتألف من قضایا یتجه بها إلى مطلوب یستحصل بها وإنما سمیت (حجة) لأنه یحتج بها على الخصم لإثبات المطلوب وتسمى (دلیلاً) لأنها تدل على المطلوب وتهیئتها وتألیفها لأجل الدلالة یسمى (استدلالاً).
ومما یجب التنبیه علیه قبل کل شیء: أن القضایا لیست کلها یجب أن تطلب بحجة وإلاّ لما انتهینا إلى العلم بقضیة أبداً بل لابد من الانتهاء إلى قضایا بدیهیة لیس من شأنها أن تکون مطلوبة وإنما هی المبادئ للمطالب وهی رأس المال للمتجر العلمی.
القیاس
تعریفه:
عرفوا القیاس بأنه: «قول مؤلف من قضایا متى سلمت لزم عنه لذاته قول آخر».
الشرح:
1ـ (القول) جنس. ومعناه المرکب التام الخبری فیعم القضیة الواحدة والأکثر.
2ـ (مؤلف من قضایا.. إلى آخره) فصل. والقضایا جمع منطقی أی ما یشمل الاثنین ویخرج بقید القضایا الاستدلال المباشر لأنه کما سبق قضیة واحدة على تقدیر التسلیم بها تستلزم قضیة أخرى.
3ـ (متى سلمت) من التسلیم. وفیه إشارة إلى أن القیاس لا یشترط فیه أن تکون قضایاه مسلّمة فعلاً بل شرط کونه قیاساً أن یلزم منه على تقدیر التسلیم بقضایاه قول آخر کشأن الملازمة بین القضیة وبین عکسها أو نقضها فإنه على تقدیر صدقها تصدق عکوسها ونقوضها. واللازم یتبع الملزوم فی الصدق فقط دون الکذب کما تقدم فی العکس المستوی لجواز کونه لازماً أعم. ومنه یعرف: أن کذب القضایا المؤلفة لا یلزم منه کذب القول اللازم لها، نعم کذبه یستلزم کذبها. 4ـ (لزم عنه) یخرج به الاستقراء والتمثیل لأنهما وإن تألفا من قضایا لا یتبعهما القول الآخر على نحو اللزوم لجواز تخلفه عنهما لأنهما أکثر ما یفیدان الظن إلا بعض الاستقراء. وسیأتی.
5ـ (لذاته) یخرج به قیاس المساواة. کما سیأتی فی محله فإن قیاس المساواة إنما یلزم منه القول الآخر لمقدمة خارجة عنه لا لذاته. مثل:
ب یساوی حـ . وحـ یساوی د .. ینتج ب یساوی د
ولکن لا لذاته بل لصدق المقدمة الخارجیة وهی: مساوی المساوی مساو.
ولذا لا ینتج مثل قولنا: ب نصف حـ . و حـ نصف د لأن نصف النصف لیس نصفاً بل ربعاً.
الاصطلاحات العامة فی القیاس:
لابد ـ أولاً ـ من بیان المصطلحات العامة عدا المصطلحات الخاصة بکل نوع، التی سیرد ذکرها فی مناسباتها. وهی:
1ـ (صورة القیاس) ویقصد بها هیئة التألیف الواقع بین القضایا.
2ـ (المقدمة) وهی کل قضیة تتألف منها صورة القیاس. والمقدمات تسمى أیضاً (مواد القیاس). 3ـ (المطلوب) وهو القول اللازم من القیاس. ویسمى (مطلوباً) عند أخذ الذهن فی تألیف المقدمات.
4ـ (النتیجة) وهی المطلوب عینه ولکن یسمى بها بعد تحصیله من القیاس.
5ـ (الحدود) وهی: الأجزاء الذاتیة للمقدمة. ونعنی بالأجزاء الذاتیة: الأجزاء التی تبقى بعد تحلیل القضیة فإذا فککنا وحللنا الحملیة ـ مثلاً ـ إلى أجزائها لا یبقى منها إلا الموضوع والمحمول دون النسبة لأن النسبة إنما تقوم بالطرفین للربط بینهما فإذا أُفرد کل منهما عن الآخر فمعناه ذهاب النسبة بینهما. وأما السور والجهة فهما من شؤون النسبة فلا بقاء لهما بعد ذهابها. وکذلک إذا حللنا الشرطیة إلى أجزائها لا یبقى منها إلا المقدم والتالی.
فالموضوع والمحمول أو المقدم والتالی هی الأجزاء الذاتیة للمقدمات. وهی (الحدود) فیها.
ولنوضح هذه المصطلحات بالمثال فنقول:
1- شارب الخمر: فاسق.
2- وکل فاسق: ترد شهادته.
3- ... شارب الخمر: ترد شهادته.
فبواسطة نسبة کلمة (فاسق) إلى شارب الخمر فی القضیة رقم (1). ونسبة ردّ الشهادة إلى (کل فاسق) فی القضیة رقم (2) استنبطنا النسبة بین رد الشهادة والشارب فی القضیة رقم (3). فکل واحدة من القضیتین (1) و(2): مقدمة
وشارب الخمر وفاسق وترد شهادته :حدود
والقضیة رقم (3): مطلوب ونتیجة
والتألیف بین المقدمتین: صورة القیاس
ولا یخفى أنّا استعملنا هذه العلامة ... النقط الثلاث ووضعناها قبل النتیجة. وهی علامة هندسیة تستعمل للدلالة على الانتقال إلى المطلوب وتقرأ (إذن). وسنستعملها عند استعمال الحروف فیما یأتی للاختصار وللتوضیح.
أقسام القیاس بحسب مادته وهیئته
قلنا أن المقدمات تسمى (مواد القیاس) وهیئة التألیف بینها تسمى (صورة القیاس) فالبحث عن القیاس من نحوین:
1. من جهة (مادته) بسبب اختلافها مع قطع النظر عن الصورة بأن تکون المقدمات یقینیة أو ظنیة أو من المسلّمات أو المشهورات أو الوهمیات أو المخیلات أو غیرها مما سیأتی فی بابه. ویسمى البحث فیها (الصناعات الخمس) الذی عقدنا لأجله الباب السادس الآتی فإنه ینقسم القیاس بالنظر إلى ذلک إلى:
البرهان والجدل والخطابة والشعر والمغالطة.
2. من جهة (صورته) بسبب اختلافها مع قطع النظر عن شأن المادة. وهذا الباب معقود للبحث عنه من هذه الجهة. وهو ینقسم من هذه الجهة إلى قسمین اقترانی واستثنائی باعتبار التصریح بالنتیجة أو بنقیضها فی مقدماته وعدمه.
(فالأول) وهو المصرح فی مقدماته بالنتیجة أو بنقیضها یسمى (استثنائیاً) لاشتماله على کلمة الاستثناء نحو:
(1) إن کان محمد عالما فواجب احترامه.
(2) لکنه عالم.
(3) ... فمحمد واجب احترامه.
فالنتیجة رقم (3) مذکورة بعینها فی المقدمة رقم (1).
مثال ثان:
(1) لو کان فلان عادلا فهو لا یعصی الله.
(2) ولکنه قد عصى الله.
(3) ... ما کان فلان عادلاً.
فالنتیجة رقم (3) مصرح بنقیضها فی المقدمة رقم (1).
(والثانی) وهو غیر المصرح فی مقدماته بالنتیجة ولا بنقیضها یسمى (اقترانیاً) کالمثال المتقدم فی أول البحث فإن النتیجة وهی (شارب الخمر ترد شهادته) غیر مذکورة بهیئتها صریحاً فی المقدمتین ولا نقیضها مذکور وإنما هی مذکورة بالقوة باعتبار وجود أجزائها الذاتیة فی المقدمتین أعنی الحدین وهما (شارب الخمر وترد شهادته)؛ فإن کل واحد منهما مذکور فی مقدمة مستقلة. ثم الاقترانی قد یتألف من حملیات فقط فیسمى (حملیاً). وقد یتألف من شرطیات فقط أو شرطیة وحملیة فیسمى (شرطیاً) مثاله:
(1) کلما کان الماء جاریاً کان معتصماً.
(2) وکلما کان معتصماً کان لا ینجس بملاقاة النجاسة.
(3) ... کلما کان الماء جاریاً کان لا ینجس بملاقاة النجاسة.
فمقدمتاه شرطیتان متصلتان.
مثال ثان:
(1) الاسم کلمة.
(2) والکلمة إما مبنیة أو معربة.
(3) ... الاسم إما مبنی أو معرب.
فالمقدمة رقم (1) حملیة والمقدمة رقم (2) شرطیة منفصلة.
ونحن نبحث أولاً عن الاقترانیات الحملیة ثم الشرطیة ثم الاستثنائی.
الاقترانی الحملی
حدوده:
یجب أن یشتمل القیاس الاقترانی على مقدمتین لینتجا المطلوب. ویجب أیضاً أن تشتمل المقدمتان على حدود ثلاثة: حد متکرر مشترک بینهما وحد یختص بالأولى وحد بالثانیة. والحد المتکرر المشترک هو الذی یربط بین الحدین الآخرین ویحذف فی النتیجة التی تتألف من هذین الحدین إذ یکون أحدهما موضوعاً لها والآخر محمولاً فهو کالشمعة تفنی نفسها لتضیء لغیرها. ولنعد إلى المثال المتقدم فی المصطلحات العامة لتطبیق الحدود علیه فنقول:
أ ـ (فاسق) هو المتکرر المشترک الذی أعطى الربط بین:
ب ـ (شارب الخمر) وهو الحد المختص بالمقدمة الأولى وبین:
ج ـ (ترد شهادته) وهو الحد المختص بالمقدمة الثانیة.
تنتج المقدمتان: (شارب الخمر ترد شهادته) بحذف الحد المشترک وقد سموا کل واحد من الحدود الثلاثة باسم خاص.
أ ـ (الحد الأوسط) أو (الوسط) وهو الحد المشترک لتوسطه بین رفیقیه فی نسبة أحدهما إلى الآخر. ویسمى أیضاً (الحجة) لأنه یحتج به على النسبة بین الحدین.
ویسمى أیضاً (الواسطة فی الإثبات) لأن به یتوسط فی إثبات الحکم بین الحدین. ونرمز له بحرف (م).
ب ـ (الحد الأصغر) وهو الحد الذی یکون موضوعاً فی النتیجة. وتسمى المقدمة المشتملة علیه (صغرى) سواء کان هو موضوعاً فیها أم محمولاً. ونرمز له بحرف (ب).
ج ـ (الحد الأکبر) وهو الذی یکون محمولاً فی النتیجة. وتسمى المقدمة المشتملة علیه (کبرى) سواء کان هو محمولاً فیها أو موضوعاً. ونرمز له بحرف (حـ). والحدان معاً یسمیان (طرفین).
فإذا قلنا:
کل ب م
کل م حـ
ینتج ... کل ب حـ بحذف المتکرر (م)
القواعد العامة للاقترانی:
للقیاس الاقترانی ـ سواء کان حملیاً أو شرطیاً ـ قواعد عامة أساسیة یجب توفرها فیه لیکون منتجاً وهی:
1 ـ تکرر الحد الأوسط:
أی یجب أن یکون مذکوراً بنفسه فی الصغرى والکبرى من غیر اختلاف وإلا لما کان حداً أوسط متکرراً ولما وجد الارتباط بین الطرفین. وهذا بدیهی.
مثلاً إذا قیل: (الحائط فیه فارة. وکل فارة لها أُذنان).
فإنه لا ینتج. (الحائط له أُذنان).
لأن الحد الذی یتخیل أنه حد أوسط هنا لم یتکرر فإن المحمول فی الصغرى (فیه فارة) والموضوع فی الکبرى (فارة) فقط. ولأجل أن یکون منتجاً فإما أن نقول فی الکبرى (وکل ما فیه فارة له أُذنان) ولکنها کاذبة. وإما أن نعتبر المتکرر کلمة (فارة) فقط فتکون النتیجة هکذا (الحائط فیه ما له أُذنان) وهی صادقة.
مثال ثان ـ إذا قیل: (الذهب عین. وکل عین تدمع).
فإنه لا ینتج: (الذهب یدمع).
لأن لفظ (عین) مشترک لفظی والمراد منه فی الصغرى غیر المراد منه فی الکبرى فلم یتکرر الحد الأوسط ولم یتکرر إلا اللفظ فقط.
2 ـ إیجاب إحدى المقدمتین:
فلا إنتاج من سالبتین لأن الوسط فی السالبتین لا یساعدنا على إیجاد الصلة والربط بین الأصغر والأکبر نظراً إلى أن الشیء الواحد قد یکون مبایناً لأمرین وهما لا تباین بینهما کالفرس المباین للإنسان والناطق وقد یکون مبایناً لأمرین هما متباینان فی أنفسهما کالفرس المباین للإنسان والطائر، والإنسان والطائر أیضاً متباینان.
وعلیه فلا نعرف حال الحدین لمجرد مباینتهما للمتکرر أنهما متلاقیان خارج الوسط أو متباینان فلا ینتج الإیجاب ولا السلب. فإذا قلنا:
لا شیء من الإنسان بفرس ولا شیء من الفرس بناطق.
فإنه لا ینتج السلب: (لا شیء من الإنسان بناطق) لأن الطرفین متلاقیان.
ولو أبدلنا بالمقدمة الثانیة قولنا:
لا شیء من الفرس بطائر.
فإنه لا ینتج الإیجاب: (کل إنسان طائر) لأن الطرفین متباینان. ویجری هذا الکلام فی کل سالبتین.
3. کلیة إحدى المقدمتین:
فلا إنتاج من مقدمتین جزئیتین لأن الوسط فیهما لا یساعدنا أیضاً على إیجاد الصلة بین الأصغر والأکبر لأن الجزئیة لا تدل على أکثر من تلاقی طرفیها فی الجملة فلا یعلم فی الجزئیتین أن البعض من الوسط الذی یتلاقى به مع الأصغر هو نفس البعض الذی یتلاقى به مع الأکبر أو غیره. وکلاهما جائز. ومعنى ذلک أنّا لا نعرف حال الطرفین الأصغر والأکبر أمتلاقیان أم متباینان فلا ینتج الإیجاب ولا السلب کما نقول مثلا:
أولاً: بعض الإنسان حیوان وبعض الحیوان فرس.
فإنه لا ینتج الإیجاب: (بعض الإنسان فرس). وإذا أبدلنا بالمقدمة الثانیة قولنا: بعض الحیوان ناطق.
فإنه لا ینتج السلب: (بعض الإنسان لیس بناطق).
ثانیاً: بعض الإنسان حیوان وبعض الحیوان لیس بناطق.
فإنه لا ینتج السلب: (بعض الإنسان لیس بناطق). وإذا أبدلنا بالمقدمة الثانیة قولنا: بعض الحیوان لیس بفرس.
فإنه لا ینتج الإیجاب: (بعض الإنسان فرس). وهکذا یجری هذا الکلام فی کل جزئیتین مهما کان موضع الوسط فی المقدمتین موضوعاً أو محمولاً أو مختلفاً.
4ـ النتیجة تتبع أخس المقدمتین:
یعنی إذا کانت إحدى المقدمتین سالبة کانت النتیجة سالبة لأن السلب أخس من الإیجاب. وإذا کانت جزئیة کانت النتیجة جزئیة لأن الجزئیة أخس من الکلیة.
وهذا الشرط واضح لأن النتیجة متفرعة عن المقدمتین معاً فلا یمکن أن تزید علیهما فتکون أقوى منهما.
5ـ لا إنتاج من سالبة صغرى وجزئیة کبرى:
ولابد أن تفرض الصغرى کلیة وإلا لاختل الشرط الثالث. ولابد أن تفرض الکبرى موجبة وإلا لاختل الشرط الثانی.
فإذا تألف القیاس من سالبة کلیة صغرى وجزئیة موجبة کبرى فإنه لا یعلم أن الأصغر والأکبر متلاقیان أو متباینان خارج الوسط لأن السالبة الکلیة تدل على تباین طرفیها أی الأصغر مع الأوسط هنا. والجزئیة الموجبة تدل على تلاقی طرفیها فی الجملة أی الأوسط والأکبر هنا فیجوز أن یکون الأکبر خارج الأوسط مبایناً للأصغر کما کان الأوسط مبایناً له ویجوز أن یکون ملاقیاً له فمثلاً إذا قلنا: لا شیء من الغراب بإنسان وبعض الإنسان أسود
فإنه لا ینتج السلب: (بعض الغراب لیس بأسود) ولو أبدلنا بالمقدمة الثانیة قولنا: بعض الإنسان أبیض فإنه لا ینتج الإیجاب: (بعض الغراب أبیض).
وأنت هنا فی المثال بالخیار فی وضع الأوسط موضوعا فی المقدمتین أو محمولا أو مختلفا فإن الأمر لا یختلف والعقم تجده کما هو فی الجمیع.
الاشکال الاربعه
قلنا: أن القیاس الاقترانی لابد له من ثلاثة حدود: أوسط وأصغر وأکبر. ونضیف علیه هنا فنقول:
إن وضع الأوسط مع طرفیه فی المقدمتین یختلف ففی الحملی قد یکون موضوعاً فیهما أو محمولاً فیهما أو موضوعاً فی الصغرى ومحمولاً فی الکبرى أو بالعکس.
فهذه أربع صور. وکل واحدة من هذه الصور تسمى (شکلاً). وکذا فی الشرطی یکون تالیاً ومقدماً.
فالشکل فی اصطلاحهم ـ على هذا ـ هو «القیاس الاقترانی باعتبار کیفیة وضع الأوسط من الطرفین». ولنتکلم عن کل واحد من الأشکال الأربعة فی الحملی ثم نتبعه بالاقترانی الشرطی.
الشکل الاول
الشکل الاول: وهو ما کان الأوسط فیه محمولاً فی الصغرى موضوعاً فی الکبرى. أی یکون وضع الحدین فی المقدمتین مع الأوسط عین وضع أحدهما مع الآخر فی النتیجة: فکما یکون الأصغر موضوعاً فی النتیجة یکون موضوعاً فی الصغرى وکما یکون الأکبر محمولاً فی النتیجة یکون محمولاً فی الکبرى.
ولهذا التفسیر فائدة نرید أن نتوصل إلیها. فإنه لأجل أن الأصغر وضعه فی النتیجة عین وضعه فی الصغرى وأن الأکبر وضعه فی النتیجة عین وضعه فی الکبرى کان هذا الشکل على مقتضى الطبع وبیّن الإنتاج بنفسه لا یحتاج إلى دلیل وحجة بخلاف البواقی ولذا جعلوه أول الأشکال. وبه یستدل على باقیها.
شروطه:
لهذا الشکل شرطان:
1. (إیجاب الصغرى) إذ لو کانت سالبة فلا یعلم أن الحکم الواقع على الأوسط فی الکبرى أیلاقی الأصغر فی خارج الأوسط أم لا فیتحمل الأمران فلا ینتج الإیجاب ولا السلب کما نقول مثلاً:
لا شیء من الحجر بنبات وکل نبات نامٍ
فإنه لا ینتج الإیجاب: (کل حجر نام). ولو أبدلنا بالصغرى قولنا (لا شیء من الإنسان بنبات). فإنه لا ینتج السلب: (لا شیء من الإنسان بنام). أما إذا کانت الصغرى موجبة فإن ما یقع على الأوسط فی الکبرى لابد أن یقع على ما یقع علیه الأوسط فی الصغرى.
2. (کلیة الکبرى) لأنه لو کانت جزئیة لجاز أن یکون البعض من الأوسط المحکوم علیه بالأکبر غیر ما حکم به على الأصغر فلا یتعدى الحکم من الأکبر إلى الأصغر بتوسط الأوسط. وفی الحقیقة إن هذا الشرط راجع إلى (القاعدة الأولى) لأن الأوسط فی الواقع على هذا الفرض غیر متکرر؛ کما نقول مثلا:
کل ماء سائل وبعض السائل یلتهب بالنار
فإنه لا ینتج (بعض الماء یلتهب بالنار) لأن المقصود بالسائل الذی حکم به على الماء خصوص الحصة منه التی تلتقی مع الماء وهی غیر الحصة من السائل الذی یلتهب بالنار وهو النفط مثلاً. فلم یتکرر الأوسط فی المعنى وإن تکرر لفظاً.
هذه شروطه من ناحیة الکم والکیف أما من ناحیة الجهة فقد قیل إنه یشترط فیه (فعلیة الصغرى). ولکنا أخذنا على أنفسنا ألا نبحث عن الموجهات لأن أبحاثها المطولة تضیع علینا کثیراً مما یجب أن نعلمه. ولیس فیها کبیر فائدة لنا.
ضروبه:
کل مقدمة من القیاس فی حد نفسها یجوز أن تکون واحدة من المحصورات الأربع، فإذا اقترنت الصور الأربع فی الصغرى مع الأربع فی الکبرى خرجت عندنا ست عشرة صورة للاقتران تحدث من ضرب أربعة فی أربعة. وذلک فی جمیع الأشکال الأربعة.
والصورة من تألیف المقدمتین تسمى بثلاثة أسماء: (ضرب) و(اقتران) و(قرینة).
وهذه الاقترانات أو الضروب الستة عشر بعضها منتج فیسمى (قیاساً). وبعضها غیر منتج فیسمى (عقیماً). وبحسب الشرطین فی الکم والکیف لهذا الشکل الأول تکون الضروب المنتجة أربعة فقط. أما البواقی فکلها عقیمة لأن الشرط الأول تسقط به ثمانیة ضروب وهی حاصل ضرب السالبتین من الصغرى فی الأربع من الکبرى، والشرط الثانی تسقط به أربعة حاصل ضرب الجزئیتین من الکبرى فی الموجبتین من الصغرى فالباقی أربعة فقط.
وکل هذه الأربعة بیّنة الإنتاج ینتج کل واحد منها واحدة من المحصورات الأربع، فالمحصورات کلها تستخرج من أضرب هذا الشکل. ولذا سمی (کاملاً) و(فاضلاً). وقد رتبوا ضروبه على حسب ترتب المحصورات فی نتائجه: فالأول ما ینتج الموجبة الکلیة ثم ما ینتج السالبة الکلیة ثم ما ینتج الموجبة الجزئیة ثم ما ینتج السالبة الجزئیة.
(الأول) من موجبتین کلیتین ینتج موجبة کلیة.
مثاله:
کل ب م
وکل م حـ
... کل ب حـ
(الثانی) من موجبة کلیة وسالبة کلیة ینتج سالبة کلیة.
مثاله:
کل ب م
و لا م حـ
... لا ب حـ
(الثالث) من موجبة جزئیة وموجبة کلیة ینتج موجبة جزئیة.
مثاله:
ع ب م
وکل م حـ
... ع ب حـ
(الرابع) من موجبة جزئیة وسالبة کلیة ینتج سالبة جزئیة.
مثاله:
ع ب م
و لا م حـ
... س ب حـ
الشکل الثانی
الشکل الثانی: وهو ما کان الوسط فیه محمولاً فی المقدمتین معاً فیکون الأصغر فیه موضوعاً فی الصغرى والنتیجة، ولکن الأکبر یختلف وضعه فإنه موضوع فی الکبرى محمول فی النتیجة. ومن هنا کان هذا الشکل بعیداً عن مقتضى الطبع غیر بیّن الإنتاج یحتاج إلى الدلیل على قیاسیته. ولأجل أن الأصغر فیه متحد الوضع فی النتیجة والصغرى موضوعاً فیهما کالشکل الأول؛ کان أقرب إلى مقتضى الطبع من باقی الأشکال الأخرى لأن الموضوع أقرب إلى الذهن.
شروطه:
للشکل الثانی شرطان أیضاً: اختلاف المقدمتین فی الکیف وکلیة الکبرى.
(الأول) الاختلاف فی الکیف فإذا کانت إحداهما موجبة کانت الأخرى سالبة لأن هذا الشکل لا ینتج مع الاتفاق فی الکیف لأن الطرفین الأصغر والأکبر قد یکونان متباینین ومع ذلک یشترکان فی أن یحمل علیهما شیء واحد أو یشترکان فی أن یسلب عنهما شیء آخر ثم قد یکونان متلاقیین ویشترکان أیضاً فی أن یحمل علیهما أو یسلب عنهما شیء واحد فلا ینتج الإیجاب ولا السلب.
مثال ذلک:
الإنسان والفرس متباینان ویشترکان فی حمل الحیوان علیهما وسلب الحجر عنهما فنقول:
أ. کل إنسان حیوان وکل فرس حیوان
ب. لا شیء من الإنسان بحجر ولا شیء من الفرس بحجر
والحق فی النتیجة فیهما السلب. ثم الإنسان والناطق أیضاً یشترکان فی حمل الحیوان علیهما وسلب الحجر عنهما فتبدل فی المثالین بالفرس الناطق فیکون الحق فی النتیجة فیهما الإیجاب. أما إذا اختلف الحکمان فی الصغرى والکبرى على وجه لا یصح جمعهما على شیء واحد وجب أن یکون المحکوم علیه فی إحداهما غیر المحکوم علیه فی الأخرى. فیتباین الطرفان الأصغر والأکبر وتکون النسبة بینهما نسبة السلب فلذا تکون النتیجة فی الشکل الثانی سالبة دائماً تتبع أخس المقدمتین.
(الشرط الثانی) کلیة الکبرى لأنه لو کانت جزئیة مع الاختلاف فی الکیف لم یعلم حال الأصغر والأکبر متلاقیان أو متنافیان لأن الکبرى الجزئیة مع الصغرى الکلیة إذا اختلفتا فی الکیف لا تدلان إلا على المنافاة بین الأصغر وبعض الأکبر المذکور فی الکبرى. ولا تدلان على المنافاة بین الأصغر والبعض الآخر من الأکبر الذی لم یذکر کما لا تدلان على الملاقاة فیحصل الاختلاف.
مثال ذلک:
کل مجتر ذو ظلف وبعض الحیوان لیس بذی ظلف
فإنه لا ینتج السلب: (بعض المجتر لیس بحیوان). ولو أبدلنا بالأکبر کلمة طائر فإنه لا ینتج الإیجاب: (بعض المجتر طائر).
ضروبه:
بحسب الشرطین المذکورین فی هذا الشکل تکون الضروب المنتجة منه أربعة فقط لأن الشرط الأول تسقط به ثمانیة حاصل ضرب السالبتین من الصغرى فی السالبتین من الکبرى فهذه أربعة وحاصل ضرب الموجتین فی الموجبتین فهذه أربعة أخرى. والشرط الثانی تسقط به أربعة وهی السالبتان فی الصغرى مع الموجبة الجزئیة فی الکبرى والموجبتان فی الصغرى مع السالبة الجزئیة فی الکبرى.
فالباقی أربعة ضروب منتجة کلها یبرهن علیها بتوسط الشکل الأول کما سترى:
(الضرب الأول) من موجبة کلیة وسالبة کلیة ینتج سالبة کلیة.
مثاله:
کل مجتر ذو ظلف
ولا شیء من الطائر بذی ظلف
... لا شیء من المجتر بطائر
ویبرهن علیه بعکس الکبرى بالعکس المستوی ثم ضم العکس إلى نفس الصغرى فیتألف من الضرب الثانی من الشکل الأول وینتج نفس النتیجة المطلوبة فیقال باستعمال الرموز:
المفروض ـ کل ب م و لا حـ م
المدعى أنه ینتج ـ ... لا ب حـ
(البرهان): نعکس الکبرى بالعکس المستوی إلى (لا م حـ) ونضمها إلى الصغرى فیحدث:
کل ب م. و لا م حـ (الضرب الثانی من الشکل الأول)
ینتج ... لا ب حـ (وهو المطلوب)
(الثانی) من سالبة کلیة وموجبة کلیة ینتج سالبة کلیة.
مثاله:
لا شیء من الممکنات بدائم
وکل حق دائم
... لا شیء من الممکنات بحق
یبرهن علیه بعکس الصغرى ثم یجعلها کبرى وکبرى الأصل صغرى لها ثم بعکس النتیجة فیقال: المفروض لا ب م. کل حـ م
المدعى ... لا ب حـ
البرهان:
إذا صدقت لا ب م
صدقت لا م ب (العکس المستوی)
فنضم هذا العکس إلى کبرى الأصل بجعله کبرى لها فیکون:
کل حـ م و لا م ب (الضرب الثانی من الأول)
... لا حـ ب
وتنعکس إلى لا ب حـ (وهو المطلوب)
(الثالث) من موجبة جزئیة وسالبة کلیة ینتج سالبة جزئیة.
مثاله:
بعض المعدن ذهب
ولا شیء من الفضة بذهب
... بعض المعدن لیس بفضة
ویبرهن علیه بما برهن به على الضرب الأول فیقال:
المفروض ع ب م و لا حـ م
المدعى ... س ب حـ
البرهان: إذا صدقت لا حـ م (الکبرى)
صدقت لا م حـ (العکس المستوی)
وبضمه إلى الصغرى یحدث:
ع ب م و لا م حـ (الضرب الرابع من الأول)
... س ب حـ (وهو المطلوب)
(الرابع) من سالبة جزئیة وموجبة کلیة ینتج سالبة جزئیة.
مثاله:
بعض الجسم لیس بمعدن
وکل ذهب معدن
... بعض الجسم لیس بذهب
ولا یبرهن علیه (بطریقة العکس) التی ذکرناها فی الضروب الثلاثة لأن الصغرى سالبة جزئیة لا تنعکس. وعکس الکبرى جزئیة لا یلتئم منها ومن الصغرى قیاس لأنه لا قیاس من جزئیتین. فنفزع حینئذ للبرهان علیه إلى طریقة أخرى تسمى (طریقة الخلف) فیقال:
المفروض س ب م. وکل حـ م
المدعى ... س ب حـ
البرهان:
لو لم تصدق س ب حـ
لصدق نقیضها کل ب حـ (النتیجة)
فنجعل هذا النقیض صغرى لکبرى الأصل فیتألف قیاس من الضرب الأول من الشکل الأول:
کل ب حـ . وکل حـ م
... کل ب م
فیکذب نقیض هذه النتیجة س ب م
وهو عین الصغرى المفروض صدقها
وهذا خلاف الفرض
فوجب صدق س ب حـ (وهو المطلوب)
الشکل الثالث
الشکل الثالث: وهو ما کان الأوسط فیه موضوعا فی المقدمتین معا فیکون الأکبر محمولا فی الکبرى والنتیجة معا ولکن الأصغر یختلف وضعه فإنه محمول فی الصغرى موضوع فی النتیجة. ومن هنا کان هذا الشکل بعیدا عن مقتضى الطبع وأبعد من الشکل الثانی. لأن الاختلاف کان فی موضوع النتیجة الذی هو أقرب إلى الذهن. وکان الاختلاف فی الثانی فی محمولها. ولأجل أن الأکبر فیه متحد الوضع فی الکبرى والنتیجة کالشکل الأول کان أقرب من الرابع.
شروطه:
لهذا الشکل شرطان أیضاً: إیجاب الصغرى وکلیة إحدى المقدمتین.
أما (الأول) فلأنه لو کانت الصغرى سالبة، فلا نعلم حال الأکبر المحمول على الأوسط بالسلب أو الإیجاب أیلاقی الأصغر الخارج عن الوسط أم یفارقه.
لأنه لو کانت الکبرى موجبة فإن الأوسط یباین الأصغر ویلاقی الأکبر. وشیء واحد قد یلاقی ویباین شیئین متلاقیین أو شیئین متباینین کالناطق یلاقی الحیوان ویباین الفرس وهما متلاقیان ویلاقی الحیوان ویباین الشجر وهما متباینان.
ولو کانت الکبرى سالبة أیضاً فإن الأوسط یباین الأصغر والأکبر معا. والشیء الواحد قد یباین شیئین متلاقیین وقد یباین شیئین متباینین کالذهب المباین للفرس والحیوان وهما متلاقیان ویباین الشجر والحیوان وهما متباینان. فإذا قیل:
أ. لا شیء من الناطق بفرس وکل ناطق حیوان
فإنه لا ینتج السلب. ولو وضعنا مکان فرس (شجر) فإنه لا ینتج الإیجاب.
ب. لا شیء من الذهب بفرس ولا شیء من الذهب بحیوان
فإنه لا ینتج السلب. ولو وضعنا مکان فرس (شجر) فإنه لا ینتج الإیجاب.
وأما (الثانی) وهو کلیة إحدى المقدمتین فلأنه قد تقدم فی القاعدة الثالثة من القواعد العامة للقیاس أنه لا ینتج من جزئیتین. ولیس هنا ما یقتضی اعتبار کلیة خصوص إحدى المقدمتین
ضروبه:
بحسب الشرطین المذکورین تکون الضروب المنتجة من هذا الشکل ستة فقط. لأن الشرط الأول تسقط به ثمانیة ضروب کالشکل الأول. والشرط الثانی یسقط به ضربان: الجزئیتان الموجبتان، والجزئیة الموجبة مع الجزئیة السالبة، فالباقی ستة یحتاج کل منها إلى برهان. ونتائجها جمیعا جزئیة.
(الضرب الأول) من موجبتین کلیتین ینتج موجبة جزئیة.
مثاله:
کل ذهب معدن
وکل ذهب غالی الثمن
بعض المعدن غالی الثمن
ویبرهن علیه بعکس الصغرى ثم ضمها إلى کبرى الأصل فیکون من ثالث الشکل الأول لینتج المطلوب.
المفروض کل م ب وکل م حـ
المدعى ع ب حـ
البرهان:
إذا صدقت کل م ب
صدقت ع ب م (العکس المستوی)
فنضم العکس إلى کبرى الأصل لیکون
ع ب م وکل م حـ (ثالث الأول)
ع ب حـ (المطلوب)
ولا ینتج کلیة لجواز أن یکون ب أعم من حـ ولو من وجه کالمثال.
(الثانی) من کلیتین والکبرى سالبة ینتج سالبة جزئیة.
مثاله:
کل ذهب معدن
ولا شیء من الذهب بفضة
... بعض المعدن لیس بفضة
ویبرهن علیه بعکس الصغرى کالأول فنقول:
المفروض کل م ب و لا م حـ
المدعى ... س ب حـ
البرهان: نعکس الصغرى فتکون (ع ب م) فنضمها إلى الکبرى فیحدث:
ع ب م و لا م حـ (رابع الأول)
.... س ب حـ (المطلوب)
(الثالث) من موجبتین والصغرى جزئیة ینتج موجبة جزئیة.
مثاله:
بعض الطائر أبیض
وکل طائر حیوان
... بعض الأبیض حیوان
البرهان: بعکس الصغرى کالأول فنقول:
المفروض ع م ب وکل م حـ
المدعى... ع ب حـ
البرهان: نعکس الصغرى إلى (ع ب م) ونضمها إلى الکبرى فیحدث:
ع ب م وکل م حـ (ثالث الأول)
ع ب حـ (المطلوب)
(الرابع) من موجبتین والکبرى جزئیة ینتج موجبة جزئیة.
مثاله:
کل طائر حیوان
بعض الطائر أبیض
بعض الحیوان أبیض
ویبرهن علیه بعکس الکبرى ثم جعلها صغرى وصغرى الأصل کبرى لها ثم بعکس النتیجة فنقول:
المفروض کل م ب وع م حـ
المدعى... ع ب حـ
البرهان: نعکس الکبرى إلى (ع حـ م) ونجعلها صغرى لصغرى الأصل فیحدث:
ع حـ م کل م ب (ثالث الأول)
ع حـ ب
وینعکس بالعکس المستوی إلى ع ب حـ (المطلوب)
(الخامس) من موجبة کلیة وسالبة جزئیة ینتج سالبة جزئیة.
مثاله:
کل حیوان حساس
وبعض الحیوان لیس بإنسان
... بعض الحساس لیس بإنسان
و لا یبرهن علیه بطریق العکس لأن السالبة الجزئیة لا تنعکس؛ والموجبة الکلیة تنعکس إلى جزئیة ولا قیاس بین جزئیتین. فلذلک یبرهن علیه بالخلف
فنقول:
المفروض کل م ب و س م حـ
المدعى س ب حـ
البرهان: لو لم تصدق س ب حـ
لصدق نقیضها کل ب حـ
نجعله کبرى لصغرى الأصل فیحدث:
کل م ب وکل ب حـ (الأول من الأول)
کل م حـ
س م حـ وهو عین الکبرى الصادقة
فیکذب نقیضها
(هذا خلف) فیجب أن یصدق س ب حـ (المطلوب)
(السادس) من موجبة جزئیة وسالبة کلیة ینتج سالبة جزئیة.
مثاله:
بعض الذهب معدن
ولا شیء من الذهب بحدید
... بعض المعدن لیس بحدید
ویبرهن علیه بعکس الصغرى ثم ضمه إلى کبرى الأصل لیکون من رابع الشکل الأول لینتج المطلوب.
المفروض ع م ب و لا م حـ
المدعى ... س ب حـ
البرهان: نعکس الصغرى إلى (ع ب م) فنضمه إلى الکبرى لیحدث:
ع ب م و لا م حـ (رابع الأول)
... س ب حـ (المطلوب)
(الرابع) من موجبتین والکبرى جزئیة ینتج موجبة جزئیة.
مثاله:
کل طائر حیوان
بعض الطائر أبیض
بعض الحیوان أبیض
ویبرهن علیه بعکس الکبرى ثم جعلها صغرى وصغرى الأصل کبرى لها ثم بعکس النتیجة فنقول:
المفروض کل م ب وع م حـ
المدعى... ع ب حـ
البرهان: نعکس الکبرى إلى (ع حـ م) ونجعلها صغرى لصغرى الأصل فیحدث:
ع حـ م کل م ب (ثالث الأول)
ع حـ ب
وینعکس بالعکس المستوی إلى ع ب حـ (المطلوب)
(الخامس) من موجبة کلیة وسالبة جزئیة ینتج سالبة جزئیة.
مثاله:
کل حیوان حساس
وبعض الحیوان لیس بإنسان
... بعض الحساس لیس بإنسان
و لا یبرهن علیه بطریق العکس لأن السالبة الجزئیة لا تنعکس؛ والموجبة الکلیة تنعکس إلى جزئیة ولا قیاس بین جزئیتین. فلذلک یبرهن علیه بالخلف
فنقول:
المفروض کل م ب و س م حـ
المدعى س ب حـ
البرهان: لو لم تصدق س ب حـ
لصدق نقیضها کل ب حـ
نجعله کبرى لصغرى الأصل فیحدث:
کل م ب وکل ب حـ (الأول من الأول)
کل م حـ
س م حـ وهو عین الکبرى الصادقة
فیکذب نقیضها
(هذا خلف) فیجب أن یصدق س ب حـ (المطلوب)
(السادس) من موجبة جزئیة وسالبة کلیة ینتج سالبة جزئیة.
مثاله:
بعض الذهب معدن
ولا شیء من الذهب بحدید
... بعض المعدن لیس بحدید
ویبرهن علیه بعکس الصغرى ثم ضمه إلى کبرى الأصل لیکون من رابع الشکل الأول لینتج المطلوب.
المفروض ع م ب و لا م حـ
المدعى ... س ب حـ
البرهان: نعکس الصغرى إلى (ع ب م) فنضمه إلى الکبرى لیحدث:
ع ب م و لا م حـ (رابع الأول)
... س ب حـ (المطلوب)
تنبیهات
طریقة الخلف:
1. إن کلا من ضروب الشکل الثالث یمکن إقامة البرهان علیه بطریقة الخلف. کضروب الثانی.
و(الخلف) استدلال غیر مباشر یبرهن به على کذب نقیض المطلوب. لیستدل به على صدق المطلوب. وهو فی الأشکال خاصة یؤخذ نقیض النتیجة المطلوب إثباتها. فیقال لو لم تصدق لصدق نقیضها. وإذ فرض صدق النقیض یضم إلى إحدى المقدمتین المفروض صدقها. لیتألف من النقیض وهذه المقدمة ضرب من ضروب الشکل الأول. فینتج ما یناقض المقدمة الأخرى الصادقة بالفرض.
هذا خلف. فلابد أن تکذب هذه النتیجة. وکذبها لابد أن ینشأ من کذب نقیض المطلوب. فیثبت صدق المطلوب. وقد تقدمت أمثلته.
وعلى الطالب أن یجرب استعماله فی جمیع الضروب شحذا لذهنه. ولیلاحظ أیة مقدمة یجب أن یختارها من القیاس المفروض. لیلتئم من النقیض ومن المقدمة الضرب المنتج.
دلیل الافتراض:
2. وقد یستدل بدلیل (الافتراض) على إنتاج بعض الضروب الذی تکون إحدى مقدمتیه جزئیة من هذا الشکل أو من الثانی. ولا بأس بشرحه تنویراً لأفکار الطلاب. وإن کانوا فی غنى عنه بدلیل العکس والخلف. وله مراحل ثلاث:
الأولى ـ (الفرض) وهو أن نفرض اسماً خاصاً للبعض الذی هو مورد الحکم فی القضیة الجزئیة فنفرضه حرف (د). لأن فی قولنا مثلاً: (بعض الحیوان لیس بإنسان) لابد أن یقصد فی البعض شیء معین یصح سلب الإنسان عنه. مثل فرس وقرد وطائر ونحوها. فنصطلح على هذا الشیء المعین ونسمیه (د) ففی مثل القضیة: (بعض م ب) یکون (د) عبارة أخرى عن قولنا (بعض م).
الثانیة ـ (استخراج قضیتین صادقتین بعد الفرض) فإنه بعد الفرض المذکور نستطیع أن نحصل على قضیتین صادقتین قطعا:
1. قضیة موجبة کلیة موضوعها الاسم المفروض (د) ومحمولها موضوع القضیة الجزئیة ففی المثال المتقدم تکون (کل د م) صادقة لأن (د) بعض م حسب الفرض والأعم یحمل على جمیع أفراد الأخص قطعا.
2. قضیة کلیة: موجبة أو سالبة تبعا لکیف الجزئیة موضوعها الاسم المفروض (د) ومحمولها محمول الجزئیة ففی المثال تکون (کل د ب) صادقة لأن (د) هو البعض الذی هو کله (ب). وإذا کانت الجزئیة سالبة مثل (س م ب) تکون (لا د ب) صادقة لأن (د) هو البعض المسلوب عنه (ب). الثالثة ـ (تألیف الاقترانات المنتجة للمطلوب) لأنا بعد استخراج تلک القضیتین تزید ثروة معلوماتنا فنستعملها فی تألیف اقترانات نافعة منهما ومن المقدمتین للقیاس المفروض صدقهما لاستخراج النتیجة المطلوب إثبات صدقها.
ولنجرب هذا الدلیل بعد أن فهمنا مراحله فی الاستدلال على الضرب الخامس من الشکل الثالث فنقول:
و لمفروض کل م ب و س م حـ (الخامس من الثالث)
المدعى ... س ب حـ
البرهان: بالافتراض
نفرض بعض م (فی السالبة الجزئیة س م حـ) الذی هو لیس حـ أنه (د) فنستخرج القضیتین الصادقتین:
(1) کل د م
(2) لا د حـ
ثم نأخذ القضیة رقم (1). ونجعلها صغرى لصغرى الأصل فیحدث:
کل د م و کل م ب (أول الشکل الأول)
... کل د ب
ثم هذه النتیجة نجعلها صغرى للقضیة رقم (2) فیحدث:
کل د ب و لا د حـ (ثانی الشکل الثالث)
... س ب حـ (وهو المطلوب)
ولنجربه ـ ثانیا ـ فی الاستدلال على الضرب الرابع من الشکل الثانی فنقول:
المفروض س ب م و کل حـ م
المدعى ... س ب حـ
البرهان: بالافتراض
نفرض (بعض ب) الذی هو لیس م أنه (د) وذلک فی السالبة الجزئیة (س ب م) فنستخرج القضیتین الصادقتین:
(1) کل د ب
(2) لا د م
ثم نأخذ القضیة رقم (2) ونجعلها صغرى لکبرى الأصل فیحدث:
لا د م و کل حـ م (ثانی الشکل الثانی)
... لا د حـ
ثم نعکس القضیة رقم (1) إلى: ع ب د
ونضم هذا العکس إلى النتیجة الأخیرة ونجعله صغرى فیحدث:
ع ب د و لا د حـ (رابع الشکل الأول)
... س ب حـ (وهو المطلوب)
فرأیت أنا استعملنا ـ فی الأثناء ـ العکس المستوی للقضیة رقم (1) لأنه لولاه لما استطعنا أن نؤلف قیاسا إلا من الشکل الثالث الذی هو متأخر عن الثانی. وکذلک نستعمل هذا العکس فی دلیل الافتراض على الضرب الثالث من الثانی.
وعلى الطالب أن یستعمل دلیل الافتراض فی غیر ما ذکرنا من الضروب التی تکون إحدى مقدماتها جزئیة لزیادة التمرین.
الرد:
3. ومن البراهین على إنتاج الأشکال الثلاثة عدا الأول (الرد) وهو تحویل الشکل إلى الشکل الأول: إما بتبدیل المقدمتین فی الشکل الرابع وإما بتحویل إحدى المقدمتین إلى عکسها المستوی، ففی الشکل الثانی تعکس الکبرى فی بعض ضروبه القابلة للعکس، وفی الثالث تعکس الصغرى فی بعض ضروبه القابلة للعکس کما سبق.. وفی بعض ضروبهما قد نحتاج إلى استعمال نقض المحمول أو عکس النقیض إذا لم نتمکن من العکس المستوی حتى نتوصل إلى الشکل الأول المنتج نفس النتیجة المطلوبة.
وعلى الطالب أن یطبق ذلک بدقة على جمیع ضروب الشکلین لغرض التمرین.
الشکل الرابع
الشکل الرابع: وهو ما کان الأوسط فیه موضوعا فی الصغرى محمولا فی الکبرى عکس الأول، فیکون وضع الأصغر والأکبر فی النتیجة یخالف وضعهما فی المقدمتین. ومن هنا کان هذا الشکل أبعد الجمیع عن مقتضى الطبع غامض الإنتاج عن الذهن.
ولذا ترکه جماعة من علماء المنطق فی مؤلفاتهم واکتفوا بالثلاثة الأولى.
شروطه:
یشترط فی إنتاج هذا الشکل الشروط الثلاثة العامة فی کل شکل التی تقدم ذکرها فی القواعد العامة.
وهی: ألا یتألف من سالبتین، ولا من جزئیتین، ولا من سالبة صغرى وجزئیة کبرى. ویشترط أیضا فیه شرطان خاصان به:
1. ألا تکون إحدى مقدماته سالبة جزئیة.
2. کلیة الصغرى إذا کانت المقدمتان موجبتین فلو أن الصغرى کانت موجبة جزئیة لما جاز أن تکون الکبرى موجبة بل یجب أن تکون سالبة کلیة.
ضروبه:
بحسب الشروط الخمسة تکون الضروب المنتجة منه خمسة فقط: لأنه بالشرط الأول تسقط أربعة حاصل ضرب السالبتین فی السالبتین. وبالثانی تسقط ثلاثة: الجزئیتان سواء کانتا موجبتین أو مختلفتین بالإیجاب والسلب. وبالثالث یسقط واحد: السالبة الکلیة مع الموجبة الجزئیة. وبالرابع ضربان: السالبة الجزئیة صغرى أو کبرى مع الموجبة الکلیة. وبالخامس ضرب واحد: الموجبة الجزئیة الصغرى مع الموجبة الکلیة الکبرى.
فالباقی خمسة ضروب نقیم علیها البرهان:
(الضرب الأول) من موجبتین کلیتین ینتج موجبة جزئیة.
مثاله:
کل إنسان حیوان
وکل ناطق إنسان
... بعض الحیوان ناطق
ویبرهن علیه بالرد بتبدیل المقدمتین إحداهما فی مکان الأخرى فیرتد إلى الشکل الأول ثم نعکس النتیجة لیحصل المطلوب فیقال.
المفروض کل م ب و کل حـ م
... ع ب حـ
البرهان: بالرد بتبدیل المقدمتین فیحدث:
کل حـ م کل م ب (الأول من الأول)
... کل حـ ب
وینعکس إلى ع ب حـ (وهو المطلوب) وإنما لا ینتج هذا الضرب کلیة لجواز أن یکون الأصغر أعم من الأکبر کالمثال.
(الثانی) من موجبة کلیة وموجبة جزئیة ینتج موجبة جزئیة.
مثاله:
کل إنسان حیوان
وبعض الولود إنسان
... بعض الحیوان ولود
ویبرهن علیه بالرد بتبدیل المقدمتین ثم بعکس النتیجة ولا ینتج کلیا لجواز عموم الأصغر.
(الثالث) من سالبة کلیة وموجبة کلیة ینتج سالبة کلیة.
مثاله:
لا شیء من الممکن بدائم
وکل محل للحوادث ممکن
... لا شیء من الدائم بمحل للحوادث.
ویبرهن علیه أیضا بالرد بتبدیل المقدمتین ثم بعکس النتیجة.
(الرابع) من موجبة کلیة وسالبة کلیة ینتج سالبة جزئیة.
مثاله:
کل سائل یتبخر
ولا شیء من الحدید بسائل
... بعض ما یتبخر لیس بحدید
ولا یمکن البرهان علیه بالرد بتبدیل المقدمتین لأن الشکل الأول لا ینتج من صغرى سالبة. ولکن یبرهن بعکس المقدمتین وتألیف قیاس الشکل الأول من العکسین. لینتج المطلوب فیقال:
المفروض کل م ب و لا حـ م
المدعى ... س ب حـ
البرهان: نعکس المقدمتین إلى:
ع ب م لا م حـ (رابع الأول)
... س ب حـ (وهو المطلوب)
(الخامس) من موجبة جزئیة وسالبة کلیة ینتج سالبة جزئیة.
مثاله:
بعض السائل یتبخر
لا شیء من الحدید بسائل
... بعض ما یتبخر لیس بحدید
وهذا أیضا لا یبرهن علیه بتبدیل المقدمتین لعین السبب ویمکن أن یبرهن علیه بعکس المقدمتین کالسابق بلا فرق.
الاقترانی الشرطی
تعریفه وحدوده:
تقدم معنى القیاس الاقترانی الحملی وحدوده. ولا یختلف عنه الاقترانی الشرطی إلا من جهة اشتماله على القضیة الشرطیة: إما بکلا مقدمتیه أو مقدمة واحدة فلذلک تکون حدوده نفس حدود الحملی من جهة اشتماله على الأوسط والأصغر والأکبر، غایة الأمر أن الحد قد یکون المقدم أو التالی من الشرطیة کما أنه قد یکون الأوسط خاصة جزءا من المقدم أو التالی وسیجیء.
فإذن یصح أن نعرفه بأنه: (الاقترانی الذی کان بعض مقدماته أو کلها من القضایا الشرطیة).
أقسامه:
للاقترانی الشرطی تقسیمات:
1. (تقسیمه من جهة مقدماته): فقد یتألف من متصلتین أو منفصلتین أو مختلفتین بالاتصال والانفصال أو من حملیة ومتصلة أو من حملیة ومنفصلة. فهذه أقسام خمسة.
2. (تقسیمه باعتبار الحد الأوسط جزءا تاما أو غیر تام): فإنه لما کانت الشرطیة مؤلفة تألیفاً ثانیاً أی أنها مؤلفة من قضیتین بالأصل وکل منهما مؤلفة من طرفین. فلاشتراک بین قضیتین شرطیتین تارة فی جزء تام أی فی جمیع المقدم أو التالی فی کل منهما وأخرى فی جزء غیر تام أی فی بعض المقدم أو التالی فی کل منهما. وثالثة فی جزء تام من مقدمة وجزء غیر تام من أخرى. فهذه ثلاثة أقسام:
(الأول) ما اشترکت فیه المقدمتان فی جزء تام منهما نحو: کلما کان الإنسان عاقلا قنع بما یکفیه. وکلما قنع بما یکفیه استغنى.
کلما کان الإنسان عاقلا استغنى.
(الثانی) ما اشترکت فیه المقدمتان فی جزء غیر تام منهما نحو:
إذا کان القرآن معجزة فالقرآن خالد.
وإذا کان الخلود معناه البقاء فالخالد لا یتبدل.
... إذا کان القرآن معجزة فإذا کان الخلود معناه البقاء فالقرآن لا یتبدل.
فلاحظ بدقة أن التالی من الصغرى (فالقرآن خالد) والتالی من الکبرى (فالخالد لا یتبدل) یتألف منهما قیاس اقترانی حملی من الشکل الأول ینتج (القرآن لا یتبدل).
فنجعل هذه النتیجة تالیا لشرطیة مقدمها مقدم الکبرى ثم نجعل هذه الشرطیة تالیا لشرطیة مقدمها مقدم الصغرى. وتکون هذه الشرطیة الأخیرة هی (النتیجة) المطلوبة.
وهذه هی طریقة أخذ النتیجة من هذا القسم إذا تألف من متصلتین. ونحن نکتفی بهذا المقدار من بیان هذا القسم. ولا نذکر أقسامه ولا شروطه لطول الکلام علیها ولمخالفته للطبع الجاری.
(الثالث) ما اشترکت فیه المقدمتان فی جزء تام من إحداهما غیر تام من الأخرى. وإنما نتصور هذا القسم فی المؤلف من الحملیة والشرطیة وسیأتی شرحه وشرح شروطه. أما فی الشرطیات المحضة فلابد أن نفرض إحدى الشرطیتین بسیطة والأخرى مرکبة من حملیة وشرطیة بالأصل لیکون الحد المشترک جزءا تاما من الأولى وغیر تام من الثانیة نحو:
إذا کانت النبوة من الله فإذا کان محمد نبیا فلا یترک أمته سدى.
وإذا لم یترک أمته سدى وجب أن ینصب هادیا.
... إذا کانت النبوة من الله فإذا کان محمد نبیا وجب أن ینصب هادیا.
فلاحظ: أن تالی الصغرى مع الکبرى یتألف منهما قیاس شرطی من القسم الأول وهو ما اشترکت فیه المقدمتان بجزء تام فینتج على نحو الشکل الأول: (إذا کان محمد نبیا وجب أن ینصب هادیا) ثم نجعل هذه النتیجة تالیا لشرطیة مقدمها مقدم الصغرى فتکون هذه الشرطیة الجدیدة هی النتیجة المطلوبة.
وهذه هی طریقة أخذ النتیجة من هذا القسم الثالث إذا تألف من متصلتین.
ونکتفی بهذا البیان عن هذا القسم فی الشرطیات المحضة للسبب المتقدم فی القسم الثانی. یبقى الکلام عن القسم الأول وهو ما اشترکت فیه المقدمتان بجزء تام منهما وعن القسم الثالث فی المؤلف من حملیة وشرطیة. ولما کانت هذه الأقسام موافقة للطبع الجاری نحن نتوسع فی البحث عنها إلى حد ما فنقول: ینقسم ـ کما تقدم ـ الاقترانی الشرطی إلى خمسة أقسام من جهة کون المقدمتین من المتصلات أو المنفصلات أو المختلفات فنجعل البحث متسلسلا حسب هذه الأقسام:
. المؤلف من المتصلات
هذا النوع ـ إذا اشترکت مقدمتاه بجزء تام منهما ـ یلحق بالاقترانی الحملی حذو القذة بالقذة: من جهة تألیفه للأشکال الأربعة ومن جهة شروطها فی الکم والکیف ومن جهة النتائج وبیانها بالعکس والخلف والافتراض.
فلا حاجة إلى التفصیل والتکرار. وإنما على الطالب أن یغیر الحملیة بالشرطیة المتصلة. نعم
یشترط أن یتألف من لزومیتین. وهذا شرط عام لجمیع أقسام الاقترانات الشرطیة المتصلة لأن الاتفاقیات لا حکم لها فی الإنتاج نظرا إلى أن العلاقة بین حدودها لیست ذاتیة وإنما یتألف منها صورة قیاس غیر حقیقی.
2. المؤلف من المنفصلات
تمهید:
المنفصلة إنما تدل على العناد بین طرفیها فی الصدق والکذب فإذا اقترنت بمنفصلة أخرى تشترک معها فی جزء تام أو غیر تام فقد لا یظهر الارتباط بین الطرفین على وجه نستطیع أن نحصل على نتیجة ثابتة لأن عناد شیء لأمرین لا یستلزم العناد بینهما أنفسهما ولا یستلزم عدمه. وهذا نظیر ما قلناه فی السالبتین فی القاعدة الثانیة من القواعد العامة من أن مباینة شیء لأمرین لا یستلزم تباینهما ولا عدمه فإذن لا إنتاج بین منفصلتین فلا قیاس مؤلف من المنفصلات.
وهذا صحیح إلى حد ما إذا أردنا أن نجمد على المنفصلتین على حالهما ولکن المنفصلة تستلزم متصلة فیمکن تحویلها إلیها، فإذا حولنا المنفصلتین معا تألف القیاس من متصلتین ینتج متصلة. وإذا أردنا أن نصر على جعل النتیجة منفصلة فإن المتصلة أیضا یمکن تحویلها إلى منفصلة لازمة لها فنحصل على نتیجة منفصلة کما نرید.
وعلیه لابد لنا أولا من معرفة تحویل المنفصلة إلى متصلة لازمة لها وبالعکس قبل البحث عن هذا النوع من القیاس فنقول:
تحویل المنفصلة الموجبة إلى متصلة:
قد بینا فی محله أن أقسام المنفصلة ثلاثة:
1. (الحقیقیة) وهی تستلزم أربع متصلات موافقة لها فی الکم والکیف فیجوز تحویلها إلى کل واحد منها فمنها متصلتان مقدم کل واحدة منهما عین أحد الطرفین والتالی نقیض الآخر. لأن الحقیقیة لما دلت على استحالة الجمع بین طرفیها فإذا تحقق أحدهما فإنه یستلزم انتفاء الآخر. ومنها متصلتان مقدم کل واحدة منهما نقیض أحد الطرفین والتالی عین الآخر لأن الحقیقیة أیضا تدل على استحالة الخلو من طرفیها فإذا ارتفع أحدهما فهو یستلزم تحقق الآخر فإذا صدق قولنا: العدد إما زوج أو فرد (قضیة حقیقیة)
صدقت المتصلات الأربع:
1. إذا کان العدد زوجا فهو لیس بفرد.
2. إذا کان العدد فردا فهو لیس بزوج.
3. إذا لم یکن العدد زوجا فهو فرد.
4. إذا لم یکن العدد فردا فهو زوج.
2. (مانعة الجمع) وهی تستلزم المتصلتین الأولیتین اللتین مقدم کل واحدة منهما عین أحد الطرفین والتالی نقیض الآخر لأنها کالحقیقیة فی دلالتها على استحالة الجمع ولا تدل على استحالة الخلو فإذا صدق:
الشیء إما شجر أو حجر (مانعة جمع)
صدقت المتصلتان:
1. إذا کان الشیء شجرا فهو لیس بحجر.
2. إذا کان الشیء حجرا فهو لیس بشجر.
ولا تصدق المتصلتان:
3. إذا لم یکن الشیء شجرا فهو حجر
4. إذا لم یکن الشیء حجرا فهو شجر
3. (مانعة الخلو) وهی تستلزم المتصلتین الأخیرتین فقط اللتین مقدم کل واحدة منهما نقیض أحد الطرفین والتالی عین الآخر لأنها کالحقیقیة فی دلالتها على استحالة الخلو ولا تدل على استحالة الجمع فإذا صدق:
زید إما فی الماء أو لا یغرق (مانعة خلو)
صدقت المتصلتان:
3. إذا لم یکن زید فی الماء فهو لا یغرق
4. إذا غرق زید فهو فی الماء
ولا تصدق المتصلتان الأولیان:
1. إذا کان زید فی الماء فهو یغرق
2. إذا غرق زید فهو لیس فی الماء
تحویل المنفصلة السالبة إلى متصلة:
أما المنفصلة السالبة کلیة أو جزئیة فإنها تحول إلى متصلة سالبة جزئیة: الحقیقیة إلى أربع على نحو الموجبة وکل من مانعتی الجمع والخلو الى اثنین على نحو الموجبة أیضاً فإذا قلنا على نحو الحقیقیة:
لیس البتة إما أن یکون الاسم معرباً أو مرفوعاً
فإنه تصدق المتصلات الأربع الآتیة:
1. قد لا یکون إذا کان الاسم معربا فهو لیس بمرفوع
2. قد لا یکون إذا کان الاسم مرفوعا فهو لیس بمعرب
3. قد لا یکون إذا لم یکن الاسم معربا فهو مرفوع
4. قد لا یکون إذا لم یکن الاسم مرفوعا فهو معرب
ولا تصدق بعض هذه المتصلات کلیا فی هذا المثال فلو جعلنا المتصلة رقم (1) مثلا کلیة هکذا:
لیس البتة إذا کان الاسم معربا فهو لیس بمرفوع
فإنها کاذبة لصدق نقیضها وهو:
قد یکون إذا کان الاسم معربا فهو لیس بمرفوع
وهکذا تحول مانعة الجمع والخلو السالبتان. وعلى الطالب أن یضع أمثلة لهما.
تحویل المتصلة إلى منفصلة:
والمتصلة اللزومیة الموجبة تستلزم مانعة الجمع ومانعة الخلو المتفقتین معها فی الکم والکیف فیجوز تحویلها إلیهما.
الأولى ـ (مانعة الجمع) تتألف من عین المقدم ونقیض التالی لأن المقدم لما کان یستلزم التالی فهو لا یجتمع مع نقیضه قطعا وإلا لاجتمع النقیضان أی التالی ونقیضه فإذا صدق:
کلما غرق زید فهو فی الماء
صدقت دائما إما زید قد غرق أو لیس فی الماء (مانعة جمع)
الثانیة ـ (مانعة الخلو) تتألف من نقیض المقدم وعین التالی بعکس الأولى لأن المقدم لما کان لا یجتمع مع نقیض التالی فلا یخلو الأمر من نقیض المقدم وعین التالی وإلا لو خلا منهما بأن یرتفعا معا (وارتفاع نقیض المقدم بالمقدم وارتفاع التالی بنقیضه) فمعناه أنه جاز اجتماع المقدم ونقیض التالی. وهذا خلف. ففی المثال المتقدم لابد أن تصدق:
دائما إما زید لم یغرق أو فی الماء (مانعة خلو)
والسالبة تحمل على الموجبة فی تحویلها إلى مانعة الجمع ومانعة الخلو المتفقتین معها فی الکم والکیف.
التألیف من المنفصلات وشروطه:
بعد هذا التمهید المتقدم نشرع فی موضوع البحث فنقول: لما کان المقدم والتالی فی المنفصلة لا امتیاز بینهما فکذلک لا یکون بین المنفصلتین المؤلفتین امتیاز بالطبع فأیهما جعلتها الصغرى صح لک فلا تتألف من هذا النوع الأشکال الأربعة.
ولکن لما کانت المنفصلتان یحولان إلى متصلتین. فینبغی أن تراعى صورة التألیف بین المتصلتین وعلى أی شکل تکون الصورة ولابد من مراعاة شروط ذلک الشکل الحادث ولذا قد یضطر إلى جعل إحدى المقدمتین بالخصوص صغرى لیأتلف شکل متوفرة فیه الشروط.
أما شروط هذا النوع فللمنطقیین فیها کلام واختلاف کثیر. والظاهر أن الاختلاف ناشئ من عدم مراعاة وجوب تحویل المنفصلة إلى متصلة فیلاحظ أخذ النتیجة من المنفصلتین رأساً، فذکر بعضهم أو أکثرهم أن من جملة الشروط إیجاب المقدمتین معا وإلا یکونا مانعتی جمع ولا حقیقیتین. ولکن لو حولنا المنفصلتین إلى متصلتین فإنا نجدهما ینتجان ولو کانت إحداهما سالبة أو کلاهما مانعتی جمع أو حقیقیتین. غیر أنه یجب أن تؤلف المتصلتان على صورة قیاس من أحد الأشکال الأربعة حاویا على شروط ذلک القیاس کما قدمنا فمثلا لو کانت المقدمتان مانعتی جمع وجب تحویلهما إلى متصلتین یؤلفان قیاسا من الشکل الثالث. کما سیأتی مثاله. أما لو تألفا على غیر هذا الشکل فإنهما لا ینتجان لعدم توفر شروط ذلک الشکل.
وعلیه فنستطیع أن نقول: لهذا النوع شرط واحد عام وهو أن یصح تحویل المنفصلتین إلى متصلتین یؤلفان قیاسا من أحد الأشکال الأربعة حاویا على شروط ذلک الشکل. وعلى الطالب أن یبذل جهده لاستخراج جمیع المتصلات اللازمة للمقدمتین ثم یقارن بعضها ببعض لیحصل على صورة القیاس المنتج لمطلوبه.
طریقة أخذ النتیجة:
مما تقدم کله نعرف الطریقة التی یلزم اتباعها لاستخراج النتیجة فی هذا النوع. ونحن حسب الفرض إنما نبحث عن خصوص القسم الأول منه وهو ما اشترکت فیه المقدمتان بجزء تام منهما. فعلینا أن نتبع ما یأتی:
1. نحول کلا من المنفصلتین إلى جمیع المتصلات التی یمکن أن تحول إلیها.
وقد تقدم أن الحقیقیة تحول إلى أربع متصلات وکلا من مانعتی الجمع والخلو إلى اثنتین.
2. نقارن بین المتصلات المحولة من إحدى المقدمتین وبین المتصلات المحولة من الأخرى فنختار الصورة التی یتکرر فیها حد أوسط وتکون على شکل تتوفر فیه شروطه. وعلى الأکثر تکون الصورة المنتجة أکثر من واحدة. ویکفینا أن نختار واحدة منها تنتج المطلوب.
3. نأخذ النتیجة متصلة ونحولها ـ إذا شئنا ـ إلى منفصلة لازمة لها إما مانعة جمع أو مانعة خلو.
فمثلا لو کان القیاس مؤلفا من حقیقیتین نحول الأولى إلى أربع متصلات والثانیة إلى أربع أیضاً فیحدث من مقارنة الأربع بالأربع ست عشرة صورة. وعند فحصها نجد ثمانی منها لا یتکرر فیها حد أوسط فلا یتألف منها قیاس. والثمانی الباقیة ینتج بعضها الملازمة بین عینی الطرفین فی الحقیقیتین وبعضها الآخر الملازمة بین نقیضیهما وذلک بمختلف الأشکال وینبغی أن یختار الطالب منها ما هو أمسّ بمطلوبه.
ولأجل التمرین نختبر بعض الأمثلة:
لو أن حاکما جیء له بمتهم فی قتل وعلى ثوبه بقعة حمراء ادعى المتهم أنها حبر فأول شیء یصنعه الحاکم لأجل التوصل إلى إبطال دعوى المتهم أو تأییده أن یقول:
هذه البقعة إما دم أو حبر (مانعة جمع)
وهی إما دم أو لا تزول بالغسل (مانعة خلو)
فتحول مانعة الجمع إلى المتصلتین:
1. کلما کانت البقعة دما فهی لیست بحبر.
2. کلما کانت حبرا فهی لیست بدم.
وتحول مانعة الخلو إلى المتصلتین:
3. کلما لم تکن البقعة دما فلا تزول بالغسل.
4. کلما زالت البقعة بالغسل فهی دم.
وبمقارنة المتصلتین رقم 1 ، 2 بالمتصلتین رقم 3 ، 4 تحدث أربع صور: اثنتان منها لا یتکرر فیهما حد أوسط وهما المؤلفتان من رقم 1 ، 3 ومن رقم 2 ، 4 .
أما المؤلفة من رقم 1 ، 4 فهی من الشکل الأول إذا جعلنا رقم 4 صغرى فینتج ما یأتی: کلما کانت البقعة تزول بالغسل فلیست بحبر.
ویمکن تحویل هذه النتیجة (المتصلة) إلى المنفصلتین:
إما أن تزول البقعة بالغسل وإما أن تکون حبرا (مانعة جمع) وإما ألا تزول بالغسل او لیست بحبر (مانعة خلو)
وأما المؤلفة من رقم 2 ، 3 فهی من الشکل الأول أیضا ینتج ما یلی: کلما کانت البقعة حبرا فلا تزول بالغسل.
ویمکن تحویل هذه النتیجة إلى المنفصلتین:
إما أن تکون البقعة حبرا وإما أن تزول بالغسل (مانعة جمع)
وإما ألا تکون حبرا أو لا تزول بالغسل (مانعة خلو)
ولاحظ أن هاتین المنفصلتین عین المنفصلتین للنتیجة الأولى. ولیس الفرق إلا بتبدیل الطرفین التالی والمقدم. ولیس هذا ما یوجب الفرق فی المنفصلة إذ لا تقدم طبعی بین جزأیها کما تقدم مرارا.
المؤلف من المتصلة والمنفصلة:
أصنافه:
وهذا النوع أیضا ینقسم إلى الأقسام الثلاثة ونحن حسب الفرض إنما نبحث عن القسم الأول منه وهو المشترک فی جزء تام من المقدمتین.
وأصناف هذا القسم أربعة لأن المتصلة إما صغرى أو کبرى وعلى التقدیرین إما أن یکون الحد المشترک مقدمها أو تالیها فهذه أربعة. أما المنفصلة فلا فرق فیها بین أن یکون الحد المشترک مقدمها أو تالیها إذ لا امتیاز بالطبع بین جزأیها.
شروطه وطریقة أخذ النتیجة:
لا یلتئم الإنتاج من المتصلة والمنفصلة إلا برد المنفصلة إلى متصلة. فیتألف القیاس حینئذ من متصلتین. فیرجع إلى النوع الأول وهو المؤلف من متصلتین فی شروطه وإنتاجه فإن أمکن بإرجاع المنفصلة إلى المتصلة تألیف قیاس منتج من أحد الأشکال الأربعة حاویاً على الشروط فذاک وإلا کان عقیماً.
وبعضهم اشترط فیه إلا تکون المنفصلة سالبة وهذا الشرط صحیح إلى حد ما لأن المنفصلة السالبة إنما تحوّل إلى متصلة سالبة جزئیة والسالبة الجزئیة لیس لها موقع فی الإنتاج فی جمیع الأشکال إلا فی الضرب الخامس من الشکل الثالث المؤلف من موجبة کلیة وسالبة جزئیة والضرب الرابع من الشکل الثانی المؤلف من سالبة جزئیة وموجبة کلیة. وهذان الضربان نادران. وعلیه فالمنفصلة السالبة إذا أمکن ـ بتحویلها إلى متصلة سالبة جزئیة ـ أن تؤلف مع المتصلة المذکورة فی الأصل أحد الضربین المذکورین فإن القیاس یکون منتجاً فلیس هذا الشرط صحیحاً على إطلاقه. مثلاً إذا قلنا:
لیس البتة إما أن یکون هذا إنساناً أو فرساً (مانعة خلو)
وکلما کان هذا إنساناً کان حیواناً
فإنهما لا ینتجان لأنه إذا حولنا المنفصلة إلى متصلة لا تؤلف مع المتصلة المفروضة شکلاً منتجاً إذ أن هذه المنفصلة مانعة الخلو تحوّل إلى المتصلتین:
(1) قد لا یکون إذا لم یکن هذا إنساناً فهو فرس.
(2) قد لا یکون إذا لم یکن هذا فرساً فهو إنسان.
فلو قرنا المتصلة رقم (1) بالمتصلة الأصلیة لا یتکرر فیهما حد أوسط ولو قرنا المتصلة (2) بالأصلیة کان من الشکل الأول أو الرابع ولا ینتج السالبة الجزئیة فیهما.
ولو أردنا أن نبدل من المتصلة الأصلیة قولنا:
کلما کان هذا ناطقاً کان إنساناً.
فإنها تؤلف مع المتصلة رقم (2) الضرب الرابع من الشکل الثانی فینتج:
قد لا یکون إذا لم یکن هذا فرساً فهو ناطق.
المؤلف من الحملیة والمتصلة:
أصنافه:
یجب فی هذا النوع أن یکون الاشتراک فی جزء تام من الحملیة غیر تام من المتصلة کما تقدمت الإشارة إلیه فله قسم واحد لأن جزء الحملیة مفرد وجزء الشرطیة قضیة بالأصل فلا یصح فرض أن یکون الجزء بالمشترک تاماً فیهما ولا غیر تام فیهما. وهذا واضح.
ولهذا النوع أربعة أصناف لأن المتصلة إما صغرى أو کبرى وعلى التقدیرین فالشرکة إما فی مقدم المتصلة أو فی تالیها فهذه أربعة. والقریب منها إلى الطبع صنفان. وهما ما کانت الشرکة فیهما فی تالی المتصلة سواء کانت صغرى أو کبرى.
طریقة أخذ النتیجة:
ولأخذ النتیجة فی جمیع هذه الأصناف الأربعة نتبع ما یلی:
1ـ أن نقارن الحملیة مع طرف المتصلة التی وقعت فیه الشرکة فنؤلف منهما قیاساً حملیاً من أحد الأشکال الأربعة حاویاً على شروط الشکل لینتج (قضیة حملیة).
2ـ نأخذ نتیجة التألیف السابق وهی الحملیة الناتجة فنجعلها مع طرف المتصلة الآخر الخالی من الاشتراک لنؤلف منهما النتیجة متصلة أحد طرفیها نفس طرف المتصلة الخالی من الاشتراک سواء کان مقدماً أو تالیاً فیجعل أیضاً مقدماً أو تالیاً والطرف الثانی الحملیة الناتجة من التألیف السابق.
مثاله:
کلما کان المعدن ذهباً کان نادراً.
کل نادر ثمین.
... کلما کان المعدن ذهباً کان ثمیناً.
فقد ألفنا قیاساً حملیاً من تالی المتصلة ونفس الحملیة أنتج من الشکل الأول (کان المعدن ثمیناً). ثم جعلنا هذه النتیجة تالیاً للنتیجة المتصلة مقدمها مقدم المتصلة الأولى وهو طرفها الذی لم تقع فیه الشرکة.
مثال ثان:
لا أحد من الأحرار بذلیل.
وکلما کانت الحکومة ظالمة فکل موجود فی البلد ذلیل.
... کلما کانت الحکومة ظالمة فلا أحد من الأحرار بموجود فی البلد.
فقد ألفنا قیاساً حملیاً من الحملیة وتالی المتصلة أنتج من الشکل الثانی (لا أحد من الأحرار بموجود فی البلد) جعلنا هذه النتیجة تالیاً لمتصلة مقدمها مقدم المتصلة فی الأصل وهو طرفها الذی لم تقع فیه الشرکة.
الشروط:
أما شروط إنتاج هذه الأصناف الأربعة فلا نذکر منها إلا شروط القریب إلى الطبع منها وهما الصنفان اللذان تقع الشرکة فیهما فی تالی المتصلة سواء کانت صغرى أو کبرى کما مثلنا لهما. وشرطهما: أولاً ـ أن یتألف من الحملیة وتالی المتصلة شکل یشتمل على شروطه المذکورة فی القیاس الحملی. ثانیاً ـ أن تکون المتصلة موجبة فلو کانت سالبة فیجب أن تحوّل إلى موجبة لازمة لها بنقض محمولها أی تحول إلى منقوضة المحمول. وحینئذ یتألف القیاس الحملی من الحملیة فی الأصل ونقیض تالی المتصلة مشتملاً على شروط الشکل الذی یکون منه.
مثاله:
لیس البتة إذا کانت الدولة جائرة فبعض الناس أحرار.
وکل سعید حر.
فإن المتصلة السالبة الکلیة تحول إلى منقوضة محمولها موجبة کلیة هکذا:
کلما کانت الدولة جائرة فلا شیء من الناس بأحرار.
وبضمها إلى الحملیة ینتج من الشکل الثانی على نحو ما تقدم فی أخذ النتیجة هکذا:
کلما کانت الدولة جائرة فلا شیء من الناس بسعداء.
(تنبیه) ـ لهذا النوع وهو المؤلف من الحملیة والمتصلة أهمیة کبیرة فی الاستدلال لا سیما أن قیاس الخلف ینحل إلى أحد صنفیه المطبوعین. ولیکن هذا على بالک فإنه سیأتی کیف ینحل قیاس الخلف إلیه.
مؤلف من الحملیة والمنفصلة:
وهذا النوع کسابقه یجب أن یکون الاشتراک فیه فی جزء تام من الحملیة غیر تام من المنفصلة. وقد تقدم وجهه.
غیر أن الشرکة فیه للحملیة قد تکون مع جمیع أجزاء المنفصلة وهو القریب إلى الطبع وقد تکون مع بعضها وعلى التقدیرین تقع الحملیة إما صغرى أو کبرى فهذه أربعة أصناف.
مثاله:
1ـ الثلاثة عدد.
2ـ العدد إما زوج أو فرد.
3ـ الثلاثة إما زوج أو فرد.
وهذا المثال من الصنف الأول المؤلف من حملیة صغرى مع کون الشرکة مع جمیع أجزاء المنفصلة لأن المنفصلة فی المثال بتقدیر (دائماً إما العدد زوج وإما العدد فرد).
فکلمة (العدد) المشترکة بین المقدمتین موجودة فی جزأی المنفصلة معاً.
أما أخذ النتیجة فی المثال فقد رأیت أنا أسقطنا الحد المشترک وهو کلمة (عدد) وأخذنا جزء الحملیة الباقی مکانه فی النتیجة التی هی منفصلة أیضا. وهو على منهاج الشکل الأول فی الحملی.
وهکذا نصنع فی أخذ نتائج هذا النوع. ونکتفی بهذا المقدار من البیان عن هذا النوع.
خاتمـة:
قد أطلنا فی بحث الاقترانات الشرطیة على خلاف المعهود فی کتب المنطق المعتاد تدریسها نظراً إلى کثرة فائدتها والحاجة إلیها فإن أکثر البراهین العلمیة تبتنی على الاقترانات الشرطیة. وإن کنا ترکنا کثیرا من الأبحاث التی لا یسعها هذا المختصر واقتصرنا على أهم الأقسام التی هی أشد علوقاً بالطبع.
القیاس الاستثنائی
تعریفه وتألیفه:
تقدم ذکر هذا القیاس وتعریفه؛ وهو من الأقیسة الکاملة؛ أی التی لا یتوقف الإنتاج فیها على مقدمة أخرى کقیاس المساواة ونحوه على ما سیأتی فی التوابع.
ولمّا تقدم أن الاستثنائی یذکر فیه بالفعل إما عین النتیجة أو نقیضها فهنا نقول: یستحیل أن تکون النتیجة مذکورة بعینها أو بنقیضها على أنها مقدمة مستقلة مسلّم بصدقها لأنه حینئذ یکون الإنتاج مصادرة على المطلوب. فمعنى أنها مذکورة بعینها أو بنقیضها أنها مذکورة على أنها جزء من مقدمة. ولما کانت هی بنفسها قضیة ومع ذلک تکون جزء قضیة فلابد أن یفرض أن المقدمة المذکورة فیها قضیة شرطیة لأنها تتألف من قضیتین بالأصل. فیجب أن تکون ـ على هذا ـ إحدى مقدمتی هذا القیاس شرطیة. أما المقدمة الأخرى فهی الاستثنائیة أی المشتملة على أداة الاستثناء التی من أجلها سمی القیاس استثنائیاً.
والاستثنائیة یستثنى فیها أحد طرفی الشرطیة أو نقیضه لینتج الطرف الآخر أو نقیضه على ما سیأتی تفصیله.
تقسیمه:
وهذه الشرطیة قد تکون متصلة وقد تکون منفصلة وبحسبها ینقسم هذا القیاس إلى الاتصالی والانفصالی.
شروطه:
ویشترط فی هذا القیاس ثلاثة أمور:
1ـ کلیة إحدى المقدمتین فلا ینتج من جزئیتین.
2ـ ألا تکون الشرطیة اتفاقیة.
3ـ إیجاب الشرطیة. ومعنى هذا الشرط فی المتصلة خاصة أن السالبة تحوّل إلى موجبة لازمة لها فتوضع مکانها.
ولکل من القسمین المتقدمین حکم فی الإنتاج ونحن نذکرهما بالتفصیل:
حکم الاتصالی
لأخذ النتیجة من الاستثنائی الاتصالی طریقتان:
1ـ استثناء عین المقدم لینتج عین التالی لأنه إذا تحقق الملزوم تحقق اللازم قطعاً سواء أکان اللازم أعم أم مساویاً. ولکن لو استثنی عین التالی فإنه لا یجب أن ینتج عین المقدم لجواز أن یکون اللازم أعم. وثبوت الأعم لا یلزم منه ثبوت الأخص.
مثاله:
کلما کان الماء جاریاً کان معتصماً. لکن هذا الماء جار.
... فهو معتصم.
فلو قلنا: (لکنه معتصم) فإنه لا ینتج (فهو جار) لجواز أن یکون معتصماً وهو راکد کثیر.
2. استثناء نقیض التالی لینتج نقیض المقدم. لأنه إذا انتفى اللازم انتفى الملزوم قطعاً حتى لو کان اللازم أعم ولکن لو استثنی نقیض المقدم فإنه لا ینتج نقیض التالی لجواز أن یکون اللازم أعم. وسلب الأخص لا یستلزم سلب الأعم لأن نقیض الأخص أعم من نقیض الأعم.
مثاله:
کلما کان الماء جاریاً کان معتصماً. لکن هذا الماء لیس بمعتصم. فهو لیس بجار.
فلو قلنا: (لکنه لیس بجار) فإنه لا ینتج (لیس بمعتصم) لجواز ألا یکون جاریاً وهو معتصم لأنه کثیر.
حکم الانفصالی
لأخذ النتیجة من الاستثنائی الانفصالی ثلاث طرق:
1ـ إذا کانت الشرطیة (حقیقیة) فإن استثناء عین أحد الطرفین ینتج نقیض الآخر واستثناء نقیض أحدهما ینتج عین الآخر فإذا قلت:
العدد إما زوج أو فرد.
فإن الاستثناء یقع على أربع صور هکذا:
أ ـ لکن هذا العدد زوج ینتج فهو لیس بفرد
ب ـ لکن هذا العدد فرد ینتج فهو لیس بزوج
ج ـ لکن هذا العدد لیس بزوج ینتج فهو فرد
د ـ لکن هذا العدد لیس بفرد ینتج فهو زوج
وهو واضح لا عسر فیه. هذا إذا کانت المنفصلة ذات جزأین. وقد تکون ذات ثلاثة أجزاء فأکثر مثل (الکلمة إما اسم أو فعل أو حرف) فإذا استثنیت عین أحدها فقلت مثلاً (لکنها اسم) فإنه ینتج حملیات بعدد الأجزاء الباقیة فتقول: (فهی لیست فعلاً ولیست حرفاً).
وإذا استثنیت نقیض أحدهما فقلت مثلاً: (لکنها لیست اسماً) فإنه ینتج منفصلة من أعیان الأجزاء الباقیة فتقول: (فهذه الکلمة إما فعل أو حرف). وقد یجوز بعد هذا أن تعتبر هذه النتیجة مقدمة لقیاس استثنائی آخر فتستثنی عین أحد أجزائها أو نقیضه لینحصر فی جزء معین.
وهکذا یمکن أن تستعمل هذه الطریقة لو کانت أجزاء المنفصلة أکثر من ثلاثة فتستوفی الاستثناءات حتى یبقى قسم واحد ینحصر فیه الأمر. وقد تسمى هذه الطریقة طریقة الدوران والتردید أو برهان السبر والتقسیم أو برهان الاستقصاء کما سبق أن برهنا به لبیان النسبة بین النقیضین فی بحث النسب فی الجزء الأول.
وهذه الطریقة نافعة کثیراً فی المناظرة والجدل.
2ـ إذا کانت الشرطیة (مانعة خلو) فإن استثناء نقیض أحد الطرفین ینتج عین الآخر ولا ینتج استثناء عین أحدهما نقیض الآخر لأن المفروض أنه لا مانع من الجمع بین العینین فلا یلزم من صدق أحدهما کذب الآخر.
3ـ إذا کانت الشرطیة (مانعة جمع) فإن استثناء عین أحد الطرفین ینتج نقیض الآخر. ولا ینتج استثناء نقیض أحدهما عین الآخر لأن المفروض أنه یجوز أن یخلو الواقع منهما فلا یلزم من کذب أحدهما صدق الآخر. وهذا وما قبله واضح.
خاتمة فی لواحق القیاس
القیاس المضمر أو الضمیر:
إنا فی أکثر کلامنا وکتاباتنا نستعمل الأقیسة وقد لا نشعر بها. ولکن على الغالب لا نلتزم بالصورة المنطقیة للقیاس: فقد نحذف إحدى المقدمات أو النتیجة اعتمادا على وضوحها أو ذکاء المخاطب أو لغفلة کما أنه قد نذکر النتیجة أولاً قبل المقدمات أو نخالف الترتیب الطبیعی للمقدمات. ولذا یصعب علینا أحیانا أن نرد کلامنا إلى صورة قیاس کاملة.
والقیاس الذی تحذف منه النتیجة أو إحدى المقدمات یسمى (القیاس المضمر) وما حذفت کبراه فقط یسمى (ضمیراً) کما إذا قلت (هذا إنسان لأنه ناطق). وأصله هو:
هذا ناطق (صغرى)
وکل ناطق إنسان (کبرى)
... فهذا إنسان (نتیجة)
فحذفت منه الکبرى وقدمت النتیجة.
وقد تقول (هذا إنسان لأن کل ناطق إنسان) فتحذف الصغرى مع تقدیم النتیجة.
وقد تقول (هذا ناطق لأن کل ناطق إنسان) فتکتفی بالمقدمتین عن ذکر النتیجة لأنها معلومة. وقس على ذلک ما یمر علیک.
کسب المقدمات بالتحلیل:
أظنکم تتذکرون أنا فی أول الکتاب ذکرنا أن العقل تمرّ علیه خمسة أدوار لأجل أن یتوصل إلى المجهول. وقلنا إن الأدوار الثلاثة الأخیرة منها هی (الفکر) وقد طبقنا هذه الأدوار على کسب التعریف فی آخر الجزء الأول. والآن حل الوقت الذی نطبق فیه هذه الأدوار على کسب المعلوم التصدیقی بعدما تقدم من درس أنواع القیاس.
فلنذکر تلک الأدوار الخمسة لنوضحها.
1 ـ (مواجهة المشکل) ولا شک أن هذا الدور لازم لمن یفکر لکسب المقدمات لتحصیل أمر مجهول لأنه لو لم یکن عنده أمر مجهول مشکل قد التفت إلیه وواجهه فوقع فی حیرة من الجهل به لما فکر فی الطریق إلى حله. ولذا یکون هذا الدور من مقدمات الفکر لا من الفکر نفسه.
2 ـ (معرفة نوع المشکل) والغرض من معرفة نوعه أن یعرف من جهة الهیئة أنه قضیة حملیة أو شرطیة متصلة أو منفصلة؛ موجبة أو سالبة معدولة أو محصلة موجهة أو غیر موجهة وهکذا. ثم یعرفه من جهة المادة أنه یناسب أی العلوم والمعارف أو أی القواعد والنظریات. ولا شک أن هذه المعرفة لازمة قبل الاشتغال بالتفکیر وتحصیل المقدمات وإلا لوقف فی مکانه وارتطم ببحر من المعلومات لا تزیده إلا جهلاً فیتلبّد ذهنه ولا یستطیع الانتقال إلى معلوماته فضلاً عن أن ینظمها ویحل بها المشکل. فلذا کان هذا الدور لابد منه للتفکیر؛ وهو من مقدماته لا منه نفسه.
3 ـ (حرکة العقل من المشکل إلى المعلومات) وهذا أول أدوار الفکر وحرکاته فإن الإنسان عندما یفرغ من مواجهة المشکل ومعرفة نوعه یفزع فکره إلى طریق حله فیرجع إلى المعلومات التی اختزنها عنده لیفتش عنها لیقتنص منها ما یساعده على الحل. فهذا الفزع والرجوع إلى المعلومات هو حرکة للعقل وانتقال من المجهول إلى المعلوم وهو مبدأ التفکیر فلذا کان أول أدوار الفکر.
4 ـ (حرکة العقل بین المعلومات) وهذا هو الدور الثانی للفکر وهو أهم الأدوار والحرکات وأشقها وبه یمتاز المفکرون وعنده تزل الأقدام ویتورط المغرورون فمن استطاع أن یحسن الفحص عن المعلومات ویرجع إلى البدیهیات فیجد ضالته التی توصله حقا إلى حل المشکل فهذا الذی أوتی حظاً عظیماً من العلم. ولیس هناک قواعد مضبوطة لفحص المعلومات وتحصیل المقدمات الموصلة إلى المطلوب من حل المشکل وکشف المجهول.
ولکن لنا طریقة عامة یمکن الرکون إلیها لکسب المقدمات نسمیها (التحلیل) ولأجلها عقدنا هذا الفصل فنقول:
إذا واجهنا المشکل فلابد أنه قضیة من القضایا ولتکن حملیة فإذا أردنا حله من طریق الاقترانی الحملی نتبع ما یلی:
أولاً ـ نحلل المطلوب وهو حملیة بالفرض إلى موضوع ومحمول ولابد أن الموضوع یکون الحد الأصغر فی القیاس والمحمول الحد الأکبر فیه فنضع الأصغر والأکبر کلاً منهما على حدة.
ثانیاً ـ ثم نطلب کل ما یمکن حمله على الأصغر والأکبر وکل ما یمکن حمل الأصغر والأکبر علیه سواء کان جنساً أو نوعاً أو فصلاً أو خاصة أو عرضاً عاماً. ونطلب أیضاً کل ما یمکن سلبه عن کل واحد منهما وکل ما یمکن سلب کل واحد منهما عنه. فتحصل عندنا عدة قضایا حملیة إیجابیة وسلبیة.
ثالثاً ـ ثم ننظر فیما حصلنا علیه من المعلومات. فنلائم بین القضایا التی فیها الحد الأصغر یکون موضوعاً أو محمولاً من جهة وبین القضایا التی فیها الحد الأکبر یکون موضوعاً أو محمولاً من جهة أخرى فإذا استطعنا أن نلائم بین قضیتین من الطرفین على وجه یتألف منهما شکل من الأشکال متوفرة فیه الشروط فقد نجحنا واستطعنا أن نتوصل إلى المطلوب وإلا فعلینا أن نلتمس طریقاً آخر.
وهذه الطریقة عیناً تتبع إذا کان المطلوب قضیة شرطیة فنؤلف معلوماتنا من قضایا شرطیة إذا لم نختر إرجاع الشرطیة إلى حملیة لازمة لها.
وإذا أردنا حل المطلوب من طریق القیاس الاستثنائی نتبع ما یلی:
أولاً ـ نفحص عن کل ملزومات المطلوب وعن کل لوازمه ثم عن کل ملزومات نقیضه وعن کل لوازمه.
ثانیاً ـ ثم نفحص عن کل ما یعاند نقیضه صدقاً وکذباً أو صدقاً فقط أو کذباً فقط.
ثالثاً ـ ثم نؤلف من الفحص الأول قضایا متصلة إذا وجدنا ما یؤلفها ونستثنی عین المقدم ونقیض التالی من کل من القضایا فأیّهما یصح یتألف به قیاس استثنائی اتصالی ننتقل منه إلى المطلوب.
أو نؤلف من الفحص الثانی قضایا منفصلة حقیقیة أو من أختیها إذا وجدنا أیضاً ما یؤلفها ونستثنی عین الجزء الآخر المعاند للمطلوب أو نقیضه ونستثنی نقیض الجزء الآخر فی جمیع القضایا المؤلفة فأیها یصح یتألف به قیاس استثنائی انفصالی ننتقل منه إلى المطلوب.
5 ـ (حرکة العقل من المعلومات إلى المجهول) وهذه الحرکة آخر مرحلة من الفکر عندما یتم له تألیف قیاس منتج فإنه لابد أن ینتقل منه إلى النتیجة التی تکون هی المطلوب وهی حل المشکل.
القیاسات المرکبة
تمهید وتعریف:
لابد للاستدلال على المطلوب من الانتهاء فی التحلیل إلى مقدمات بدیهیة لا یحتاج العلم بها إلى کسب ونظر وإلا لتسلسل التحلیل إلى غیر النهایة فیستحیل تحصیل المطلوب. والانتهاء إلى البدیهیات على نحوین:
تارة ینتهی التحلیل من أول الأمر إلى کسب مقدمتین بدیهیتین فیقف ونحصل المطلوب منهما فیتألف منهما قیاس یسمى (بالقیاس البسیط) لأنه قد حصل المطلوب به وحده. وهذا مفروض جمیع الأقیسة التی تکلمنا عن أنواعها وأقسامها.
وأخرى ینتهی التحلیل من أول الأمر إلى مقدمتین إحداهما کسبیة أو کلاهما کسبیتان فلا یقف الکسب عندهما حینئذ بل تکون المقدمة الکسبیة مطلوباً آخر لابد لنا من کسب المقدمات ثانیاً لتحصیله فنلتجئ إلى تألیف قیاس آخر تکون نتیجته نفس الکسبیة أی أن نتیجة هذا القیاس الثانی تکون مقدمة للقیاس الأول. ولو کانت المقدمتان معاً کسبیتین فلابد حینئذ من تألیف قیاسین لتحصیل المقدمتین.
ثم إن هذه المقدمات المؤلفة ثانیاً لتحصیل مقدمة القیاس الأول أو مقدمتیه إن کانت کلها بدیهیة وقف علیها الکسب وإن کانت بعضها أو کلها کسبیة احتاجت إلى تألیف أقیسة بعددها... وهکذا حتى نقف فی مطافنا على مقدمات بدیهیة لا تحتاج إلى کسب ونظر. ومثل هذه التألیفات المترتبة التی تکون نتیجة أحدها مقدمة فی الآخر لننتهی بها إلى مطلوب واحد هو المطلوب الأصلی تسمى (القیاس المرکب) لأنه یترکب من قیاسین أو أکثر.
فالقیاس المرکب إذن هو: «ما تألف من قیاسین فأکثر لتحصیل مطلوب واحد ».
وفی کثیر من الأحوال نستعمل القیاسات المرکبة فلذلک قد نجد فی بعض البراهین مقدمات کثیرة فوق اثنتین مسوقة لمطلوب واحد فیظنها من لا خبرة له أنها قیاس واحد وهی فی الحقیقة ترد إلى قیاسات متعددة متناسقة على النحو الذی قدمناه وإنما حذفت منه النتائج المتوسطة أو بعض المقدمات على طریقة (القیاس المضمر) الذی تقدّم شرحه. وإرجاعها إلى أصلها قد یحتاج إلى فطنة ودربة.
اقسام القیاس المرکب
وعلى ما تقدم ینقسم القیاس المرکب إلى موصول ومفصول:
1ـ (الموصول) وهو الذی لا تطوى فیه النتائج؛ بل تذکر مرة نتیجة لقیاس ومرة مقدمة لقیاس آخر کقولک:
أ ـ کل شاعر حساس
ب ـ وکل حساس یتألم
... کل شاعر یتألم.
ثم تأخذ هذه النتیجة فتجعلها مقدمة لقیاس آخر لینتج المطلوب الأصلی الذی سقت لأجله القیاس المتقدم فتقول من رأس:
أ ـ کل شاعر یتألم
ب ـ وکل من یتألم قوی العاطفة
... کل شاعر قوی العاطفة.
2- (المفصول) وهو الذی فصلت عنه النتائج وطویت فلم تذکر کما تقول فی المثال المتقدم:
أ ـ کل شاعر حساس
ب ـ وکل حساس یتألم
ج ـ وکل من یتألم قوی العاطفة
... کل شاعر قوی العاطفة.
وهذه عین النتیجة السابقة فی الموصول. والمفصول أکثر استعمالاً فی العلوم اعتماداً على وضوح النتائج المتوسطة فیحذفونها.
قیاس الخلف
والقیاسات المرکبة قد یسمى بعضها بأسماء خاصة لخصوصیة فیها ولا بأس بالبحث عن بعضها تنویراً للأذهان. منها:
قیاس الخلف:
قد سبق منا ذکر لقیاس الخلف مرتین: مرة فی أول تنبیهات الشکل الثالث وسمیناه (طریقة الخلف) وشرحناه هناک بعض الشرح. وقد کنا استخدمناه للبرهان على بعض ضروب الشکلین الثانی والثالث. ومرة أخرى نبهنا علیه فی آخر القسم الرابع من الاقترانی الشرطی وهو المؤلف من متصلة وحملیة إذ قلنا إن قیاس الخلف ینحل إلى قیاس شرطی من هذا القسم. ومن الخیر للطالب الآن أن یرجع إلى هذین البحثین قبل الدخول فی التفصیلات الآتیة.
والذی ینبغی أن یعلم أن الباحث قد یعجز عن الاستدلال على مطلوبه بطریقة مباشرة فیحتال إلى اتخاذ طریقة غیر مباشرة فیلتمس الدلیل على بطلان نقیض مطلوبه لیثبت صدق مطلوبه لأن النقیضین لا یکذبان معاً. وإبطال النقیض لإثبات المطلوب هو المسمى (بقیاس الخلف) ولذا أشرنا فیما سبق فی تنبیهات الشکل الثالث إلى أن طریقة الخلف من نوع الاستدلال غیر المباشر. ومن هنا یحصل لنا تعریف قیاس الخلف بأنه:
«قیاس مرکب یثبت المطلوب بإبطال نقیضه ».
أما أنه قیاس مرکب فلأنه یتألف من قیاسین: اقترانی شرطی مؤلف من متصلة وحملیة واستثنائی.
کیفیته:
إذا أردنا إثبات المطلوب بإبطال نقیضه فعلینا أن نستعمل الطریقة التی سنشرحها ولنرجع قبل کل شیء إلى الموارد التی استعملنا لها قیاس الخلف فیما سبق ولنختر منها للمثال (الضرب الرابع من الشکل الثانی) فنقول:
المفروض صدق ـ ا ـ س ب م و ـ 2 ـ کل حـ م
المدعى صدق النتیجة: س ب حـ
و(خلاصة البرهان) بالخلف أن نقول: لو لم یصدق المطلوب لصدق نقیضه ولکن نقیضه لیس بصادق لأن صدقه یستلزم الخلف فیجب أن یکون المطلوب صادقاً. وهذا کما ترى قیاس استثنائی یستدل على کبراه بلزوم الخلف. ولبیان لزوم الخلف عند صدق النقیض یستدل بقیاس اقترانی شرطی مؤلف من متصلة مقدمها المطلوب منفیاً وتالیها نقیض المطلوب ومن حملیة مفروضة الصدق.
و(تفصیل البرهان) بالخلف نتبع ما یأتی من المراحل مع التمثیل بالمثال الذی اخترناه.
1ـ نأخذ نقیض المطلوب (کل ب حـ) ونضمه إلى مقدمة مفروضة الصدق ولتکن الکبرى وهی (کل حـ م) فیتألف منهما قیاس من الشکل الأول.
کل ب حـ ، کل حـ م
ینتج کل ب م
2ـ ثم نقیس هذه النتیجة الحاصلة إلى المقدمة الأخرى المفروضة الصدق وهی (س ب م) فنجد أنهما نقیضان: فإما أن تکذب (س ب م) والمفروض صدقها هذا خلف أی خلاف ما فرض من صدقها وإما أن تکذب هذه النتیجة الحاصلة وهی (کل ب م). وهذا هو المتعین.
3ـ ثم نقول حینئذ: لابد أن یکون کذب هذه النتیجة المتقدمة ناشئاً من کذب إحدى المقدمتین لأن تألیف القیاس لا خلل فیه حسب الفرض ولا یجوز کذب المقدمة المفروضة الصدق فلابد أن یتعین کذب المقدمة الثانیة التی هی (نقیض المطلوب) کل ب حـ فیثبت المطلوب (س ب حـ) 4ـ وبالأخیر یوضع الاستدلال هکذا:
أ. من قیاس اقترانی شرطی.
1ـ الصغرى التی هی قولنا (لو لم یصدق س ب حـ فکل ب حـ)
2ـ الکبرى المفروض صدقها هو قولنا (کل حـ م)
فینتج حسبما ذکرناه فی أخذ نتیجة النوع الرابع من الشرطی:
(لو لم یصدق س ب حـ فکل ب م)..
ب. من قیاس استثنائی.
1ـ الصغرى نتیجة الشرطی السابق وهی:
لو لم یصدق س ب حـ فکل ب م.
2ـ الکبرى قولنا: و(لکن کل ب م کاذبة)
لأنه نقیضها وهو (س ب م) صادق حسب الفرض
فینتج: (یجب أن یکون (س ب حـ) صادقاً) وهو المطلوب.
قیاس المساواة
من القیاسات المشکلة التی یمکن إرجاعها إلى القیاس المرکب (قیاس المساواة) وإنما سمی قیاس المساواة لأن الأصل فیه المثال المعروف (أ مساو لـ ب وب مساو لـ حـ ینتج أ مساو لـ حـ) وإلا فهو قد یشتمل على المماثلة والمشابهة ونحوهما کقولهم:
الإنسان من نطفة والنطفة من العناصر فالإنسان من العناصر وکقولهم: الجسم جزء من الحیوان والحیوان جزء من الإنسان فالجسم جزء من الإنسان.
وصدق قیاس المساواة یتوقف على صدق مقدمة خارجیة محذوفة وهی نحو مساوی المساوی مساوٍ وجزء الجزء جزء والمماثل للمماثل مماثل... وهکذا.
ولذا لا ینتج لو کذبت المقدمة الخارجیة نحو: (الاثنان نصف الأربعة والأربعة نصف الثمانیة) فإنه لا ینتج:
الاثنان نصف الثمانیة لأن نصف النصف لیس نصفاً.
تحلیل هذا القیاس:
وهذا القیاس کما ترى على هیئة مخالفة للقیاس المألوف المنتج إذ لا شرکة فیه فی تمام الوسط لأن موضوع المقدمة الثانیة وهو (ب) جزء من محمول الأولى وهو (مساو لـ ب) فلابد من تحلیله وإرجاعه إلى قیاس منتظم بضم تلک المقدمة الخارجیة المحذوفة إلى مقدمتیه لیصیر على هیئة القیاس. وفی بادئ النظر لا ینحل المشکل بمجرد ضم المقدمة الخارجیة فلا یظهر کیف یتألف قیاس تشترک فیه المقدمات فی تمام الوسط وأنه من أی أنواع القیاس ولذا عد عسر الانحلال إلى الحدود المترتبة فی القیاس المنتج لهذه النتیجة وعده بعضهم من القیاسات المفردة وبعضهم عده من المرکبة.
والأصح أن نعده من المرکبات فنقول إنه مرکب من قیاسین:
(القیاس الأول): صغراه ـ المقدمة الأولى (أ مساوٍ لـ ب)
وکبراه ـ (کل مساوٍ لـ ب مساوٍ لمساوی حـ)
(وهذه الکبرى صادقة مأخوذة من المقدمة الثانیة من قیاس المساواة أی (ب مساو لـ حـ) لأنه بحسبها یکون (ما یساوی حـ) عبارة ثانیة عن (ب) فلو قلت: کل ما یساوی ب یساوی ب تکون قضیة صادقة بدیهیة ویصح أن تبدل عبارة (ما یساوی حـ) بحرف (ب) فنقول مکانها (مساو لـ ب مساو لمساوی حـ).
وعلیه یکون هذا القیاس الأول من الشکل الأول الحملی والأوسط فیه: مساوٍ لـ ب).
فینتج (أ مساوٍ لمساوی حـ)
(القیاس الثانی): صغراه ـ النتیجة السابقة من الأول (أ مساوٍ لمساوی حـ).
وکبراه ـ المقدمة الخارجیة المذکورة وهی (المساوی لمساوی حـ مساوٍ لـ حـ) فینتظم قیاساً من الشکل الأول الحملی أیضاً والأوسط فیه (مساوٍ لمساوی حـ).
فینتج أ مساو لـ حـ (وهو المطلوب).
الاستقراء
تعریفه
: عرفنا الاستقراء فیما سبق بأنه هو «أن یدرس الذهن عدة جزئیات فیستنبط منها حکماً عاماً» کما لو درسنا عدة أنواع من الحیوان فوجدنا کل نوع منها یحرک فکه الأسفل عند المضغ فنستنبط منها قاعدة عامة وهی: أن کل حیوان یحرک فکه الأسفل عند المضغ.
والاستقراء هو الأساس لجمیع أحکامنا الکلیة وقواعدنا العامة لأن تحصیل القاعدة العامة والحکم الکلی لا یکون إلا بعد فحص الجزئیات واستقرائها فإذا وجدناها متحدة فی الحکم نلخص منها القاعدة أو الحکم الکلی. فحقیقة الاستقراء هو الاستدلال بالخاص على العام وعکسه القیاس وهو الاستدلال بالعام على الخاص لأن القیاس لابد أن یشتمل على مقدمة کلیة، الغرض منها تطبیق حکمها العام على موضوع النتیجة.
أقسامه:
والاستقراء على قسمین تام وناقص لأنه إما أن یتصفح فیها حال الجزئیات بأسرها أو بعضها.
والأول (التام) وهو یفید الیقین. وقیل بأنه یرجع إلى القیاس المقسم المستعمل فی البراهین کقولنا:
کل شکل إما کروی وإما مضلع وکل کروی متناه وکل مضلع متناه فینتج (کل شکل متناه). والثانی (الناقص) وهو ألا یفحص المستقری إلا بعض الجزئیات کمثال الحیوان من أنه یحرک فکه الأسفل عند المضغ بحکم الاستقراء لأکثر أنواعه.
وقالوا إنه لا یفید إلا الظن لجواز أن یکون أحد جزئیاته لیس له هذا الحکم کما قیل إن التمساح یحرک فکه الأعلى عند المضغ.
شبهة مستعصیة:
إن القیاس الذی هو العمدة فی الأدلة على المطالب الفلسفیة وهو المفید للیقین لما کان یعتمد على مقدمة کلیة على کل حال فإن الأساس فیه لا محالة هو الاستقراء لما قدمنا أن کل قاعدة کلیة لا تحصل لنا إلا بطریق فحص جزئیاتها.
ولا شک أن أکثر القواعد العامة غیر متناهیة الأفراد فلا یمکن تحصیل الاستقراء التام فیها. فیلزم على ذلک أن تکون أکثر قواعدنا التی نعتمد علیها لتحصیل الأقیسة ظنیة فیلزم أن تکون أکثر أقیستنا ظنیة وأکثر أدلتنا غیر برهانیة فی جمیع العلوم والفنون. وهذا ما لا یتوهمه أحد.
فهل یمکن أن ندعی أن الاستقراء الناقص یفید العلم الیقینی فنخالف جمیع المنطقیین الأقدمین. ربما تکون هذه الدعوى قریبة إلى القبول إذ نجد أنا نتیقّن بأمور عامة ولم یحصل لنا استقراء جمیع أفرادها کحکمنا قطعاً بأن الکل أعظم من الجزء مع استحالة استقراء جمیع ما هو کل وما هو جزء وکحکمنا بأن الاثنین نصف الأربعة مع استحالة استقراء کل اثنین وکل أربعة وکحکمنا بأن کل نار محرقة وأن کل إنسان یموت مع استحالة استقراء جمیع أفراد النار والإنسان... وهکذا ما لا یحصى من القواعد البدیهیة فضلاً عن النظریة.
حل الشبهة:
فنقول فی حل الشبهة إن الاستقراء على أنحاء:
1ـ أن یبنى على صرف المشاهدة فقط فإذا شاهد بعض الجزئیات أو أکثرها أن لها وصفاً واحداً استنبط أن هذا الوصف یثبت لجمیع الجزئیات کمثال استقراء بعض الحیوانات أنها تحرک فکها الأسفل عند المضغ. ولکن هذا الاستنباط قابل للنقض فلا یکون الحکم فیه قطعیاً وعلى هذا النحو اقتصر نظر المنطقیین القدماء فی بحثهم.
2ـ أن یبنى مع ذلک على التعلیل أیضاً. بأن یبحث المشاهد لبعض الجزئیات عن العلة فی ثبوت الوصف فیعرف أن الوصف إنما ثبت لتلک الجزئیات المشاهدة لعلة أو خاصیة موجودة فی نوعها ولا شبهة عند العقل أن العلة لا یتخلف عنها معلولها أبداً. فیجزم المشاهد المستقری حینئذ جزماً قاطعاً بثبوت الوصف لجمیع جزئیات ذلک النوع وإن لم یشاهدها. کما إذا شاهد الباحث أن بعض العقاقیر یؤثر الإسهال فبحث عن علة هذا التأثیر وحلل ذلک الشیء إلى عناصره فعرف تأثیرها فی الجسم الإسهال فی الأحوال الاعتیادیة فإنه یحکم بالقطع أن هذا الشیء یحدث هذا الأثر دائماً.
وجمیع الاکتشافات العلمیة وکثیر من أحکامنا على الأمور التی نشاهدها من هذا النوع ولیست هذه الأحکام قابلة للنقض فلذلک تکون قطعیة کحکمنا بأن الماء ینحدر من المکان العالی فإنا لا نشک فیه مع أنا لم نشاهد من جزئیاته إلا أقل القلیل، وما ذلک إلا لأنا عرفنا السر فی هذا الانحدار. نعم إذا انکشف للباحث خطأ ما حسبه أنه علة وأن للوصف علة أخرى فلابد أن یتغیر حکمه وعلمه.
3ـ أن یبنى على بدیهة العقل کحکمنا بأن الکل أعظم من الجزء فإن تصور الکل وتصور الجزء وتصور معنى أعظم هو کاف لهذا الحکم. ولیس هذا فی الحقیقة استقراء لأنه لا یتوقف على المشاهدة فإن تصور الموضوع والمحمول کاف للحکم وإن لم نشاهد جزئیاً واحداً منها.
4ـ أن یبنى على المماثلة الکاملة بین الجزئیات کما إذا اختبرنا بعض جزئیات نوع من الثمر فعلمنا بأنه لذیذ الطعم مثلاً فإنا نحکم حکماً قطعیاً بأن کل جزئیات هذا النوع لها هذا الوصف وکما إذا برهنا مثلاً على أن مثلثاً معیناً تساوی زوایاه قائمتین فإنا نجزم جزماً قاطعاً بأن کل مثلث هکذا فیکفی فیه فحص جزئی واحد وما ذلک إلا لأن الجزئیات متماثلة متشابهة فی التکوین فوصف واحد منها یکون وصفاً للجمیع بغیر فرق.
وبعد هذا البیان لهذه الأقسام الأربعة یتضح أن لیس کل استقراء ناقص لا یفید الیقین إلا إذا کان مبنیاً على المشاهدة المجردة ویسمى القسم الثانی وهو الاستقراء المبنی على التعلیل فی المنطق الحدیث (بطریق الاستنباط) أو طریق البحث العلمی وله أبحاث لا یسعها هذا الکتاب.
التمثیل
تعریفه:
هذا ثالث أنواع الحجة وبه تنتهی مباحث (الباب الخامس). والتمثیل على ما عرفناه سابقاً هو «أن ینتقل الذهن من حکم أحد الشیئین إلى الحکم على الآخر لجهة مشترکة بینهما». وبعبارة أخرى هو: «إثبات الحکم فی جزئی لثبوته فی جزئی آخر مشابه له».
و(التمثیل) هو المسمى فی عرف الفقهاء (بالقیاس) الذی یجعله أهل السنة من أدلة الأحکام الشرعیة. والإمامیة ینفون حجیته ویعتبرون العمل به محقاً للدین وتضییعاً للشریعة.
مثاله: إذا ثبت عندنا أن النبیذ یشابه الخمر فی تأثیر السکر على شاربه، وقد ثبت عندنا أن حکم الخمر هو الحرمة فلنا أن نستنبط أن النبیذ أیضاً حرام أو على الأقل محتمل الحرمة للاشتراک بینهما فی جهة الإسکار.
أرکانه:
وللتمثیل أربعة أرکان:
1. (الأصل) وهو الجزئی الأول المعلوم ثبوت الحکم له کالخمر فی المثال.
2. (الفرع) وهو الجزئی الثانی المطلوب إثبات الحکم له کالنبیذ فی المثال.
3. (الجامع) وهو جهة الشبه بین الأصل والفرع. کالإسکار فی المثال.
4. (الحکم) المعلوم ثبوته فی الأصل والمراد إثباته للفرع کالحرمة فی المثال.
فإذا توفرت هذه الأرکان انعقد التمثیل، فلو کان الأصل غیر معلوم الحکم أو فاقداً للجامع المشترک لا یحصل التمثیل. وهذا واضح.
قیمته العلمیة:
إن التمثیل على بساطته من الأدلة التی لا تفید إلا الاحتمال. لأنه لا یلزم من تشابه شیئین فی أمر بل فی عدة أمور أن یتشابها من جمیع الوجوه فإذا رأیت شخصاً مشابها لشخص آخر فی طوله أو فی ملامحه أو فی بعض عاداته وکان أحدهما مجرماً قطعاً فإنه لیس لک أن تحکم على الآخر بأنه مجرم أیضاً لمجرد المشابهة بینهما فی بعض الصفات أو الأفعال.
نعم إذا قویت وجوه الشبه بین الأصل والفرع وکثرت یقوى عندک الاحتمال حتى یقرب من الیقین ویکون ظناً. والقیافة من هذا الباب فإنا قد نحکم على شخص أنه صاحب أخلاق فاضلة أو شریر بمجرد أن نراه لأنا کنا قد عرفنا شخصاً قبله یشبهه کثیراً فی ملامحه أو عاداته وکان ذا خلق فاضل أو شریراً... ولکن کل ذلک لا یغنی عن الحق شیئاً.
غیر أنه یمکن أن نعلم أن (الجامع) أی جهة المشابهة علة تامة لثبوت الحکم فی الأصل وحینئذ نستنبط على نحو الیقین أن الحکم ثابت فی الفرع لوجود علته التامة فیه لأنه یستحیل تخلف المعلول عن علته التامة. ولکن الشأن کله إنما هو فی إثبات أن الجامع علة تامة للحکم. لأنه یحتاج إلى بحث وفحص لیس من السهل الحصول علیه حتى فی الأمور الطبیعیة. والتمثیل من هذه الجهة یلحق بقسم الاستقراء المبنی على التعلیل الذی أشرنا إلیه سابقاً بل هو نفسه.
أما إثبات أن الجامع هو العلة التامة لثبوت الحکم فی المسائل الشرعیة فلیس لنا طریق إلیه إلا من ناحیة الشارع نفسه ولذا لو کانت العلة منصوصاً علیها من الشارع فإنه لا خلاف بین الفقهاء جمیعاً فی الاستدلال بذلک على ثبوت الحکم فی الفرع کقوله ع: «ماء البئر واسع لا یفسده شیء... لأن له مادة » فإنه یستنبط منه أن کل ماء له مادة کماء الحمّام وماء حنفیة الإسالة فهو واسع لا یفسده شیء.
وفی الحقیقة أن التمثیل المعلوم فیه أن الجامع علة تامة یکون من باب القیاس البرهانی المفید للیقین إذ یکون فیه الجامع حداً أوسط والفرع حداً أصغر والحکم حداً أکبر فنقول فی مثال الماء:
1. ماء الحمّام له مادة.
2. وکل ماء له مادة واسع لا یفسده شیء (بمقتضى التعلیل فی الحدیث).
ینتج.. ماء الحمّام واسع لا یفسده شیء.
وبهذا یخرج عن اسم التمثیل واسم القیاس باصطلاح الفقهاء الذی کان محل الخلاف عندهم.
关于这门课程
📚 آن لائن کورس: منطق مظفر (حصہ دوم)
علمِ منطق کے سفر کو آگے بڑھاتے ہوئے، یہ آن لائن تعلیمی کورس حوزوی نصاب کی شہرہ آفاق کتاب "منطق مظفر (جلد دوم)" کی جامع تفہیم کے لیے پیش کیا جا رہا ہے۔ اس اہم ترین جلد میں فکر اور استدلال کے عملی اور پیچیدہ قواعد کا احاطہ کیا گیا ہے، جنہیں مایہ ناز علمی شخصیت استاد علامہ ظفر عباس شہانی اپنے روایتی، نہایت سادہ اور گہرے اندازِ تدریس میں بیان فرما رہے ہیں۔ علامہ صاحب کا وسیع تجربہ اور مشکل ترین ابحاث کو عام فہم بنا کر پیش کرنے کا ملکہ، اس کورس کو طلبہ کے لیے ایک بے نظیر علمی تحفہ بناتا ہے جو استدلال کی باریکیوں کو سمجھنے میں ان کی بہترین رہنمائی کرتا ہے۔
🎯 کورس کے اہداف (Course Objectives)
فکرِ انسانی کو استدلال اور قیاس کے میدان میں خطا سے بچانا۔
قضایا کی مختلف اقسام اور ان کے باہمی تعلق کو سمجھنے کی صلاحیت پیدا کرنا۔
علمِ منطق کے عملی اور تطبیقی (Practical) حصوں پر مکمل دسترس حاصل کرنا۔
استاد علامہ ظفر عباس شہانی کی علمی سرپرستی میں استدلال اور مناظرے کے بنیادی اصولوں کو سیکھنا۔
✨ کورس کے فوائد (Course Benefits)
استادِ جید کی شاگردی: علامہ ظفر عباس شہانی کے علم اور تدریسی مہارت سے مستفید ہونے کا موقع۔
تحلیلی و فکری ترقی: یہ کورس آپ کی علمی گفتگو، تحریر اور تقابلِ ادیان و افکار میں مدلل بات کرنے کی صلاحیت کو جلا بخشتا ہے۔
اعلیٰ علوم کی فہم: اصولِ فقہ، فلسفہ، کلام اور تفسیر جیسے گہرے علوم کو سمجھنے کے لیے یہ جلد ایک کلیدی حیثیت رکھتی ہے۔
سہولت: گھر بیٹھے اپنی مرضی کے وقت کے مطابق آن لائن کلاسز کے ذریعے نصاب کی تکمیل۔
👥 مخاطبین (Target Audience)
دینی مدارس اور حوزاتِ علمیہ کے ایڈوانس لیول کے طلبہ و طالبات۔
یونیورسٹی اور کالج کے وہ طلبہ جو اسلامی فلسفہ، منطق اور تقابلی مطالعہ میں دلچسپی رکھتے ہیں۔
محققین، مصنفین اور ہر وہ شخص جو اپنی سوچ اور گفتگو کو منطقی اور ناقابلِ تردید بنانا چاہتا ہے۔
📋 کورس کے اہم عنوانات (Key Topics)
مباحثِ قضایا: قضیہ کی تعریف، اقسام (قضیہ حملیہ اور قضیہ شرطیہ) اور ان کے احکام۔
احکامِ قضایا: تناقض (Contradiction) اور عکس (عکسِ مستوی اور عکسِ نقیض) کے تفصیلی قوانین۔
مباحثِ حجت و استدلال: قیاس (Syllogism)، تمثیل (Analogy) اور استقراء (Induction) کی تعریف اور ان کی اقسام۔
اشکالِ قیاس: قیاس اقترانی اور استثنائی، اور قیاس کے اشتباہات کا حل۔
صناعاتِ خمسہ (پانچ ہنر): برہان، جدل، خطابت، شعر اور مغالطہ کا تفصیلی و عملی مطالعہ۔