. متن مناظره
فَقَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ فِيكُمْ أَحَدٌ يُخَالِفُ الْإِسْلَامَ وَ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ فَلْيَسْأَلْ غَيْرَ مُحْتَشِمٍ. فَقَامَ إِلَيْهِ عِمْرَانُ الصَّابِئُ وَ كَانَ وَاحِداً فِی الْمُتَکَلِّمِینَ فَقَالَ: يَا عَالِمَ النَّاسِ لَوْ لَا أَنَّکَ دَعَوْتَ إِلَی مَسْأَلَتِکَ لَمْ أُقْدِمْ عَلَیْکَ بِالْمَسَائِلِ، وَ لَقَدْ دَخَلْتُ الْکُوفَةَ وَ الْبَصْرَةَ وَ الشَّامَ وَ الْجَزِیرَةَ وَ لَقِیتُ الْمُتَکَلِّمِینَ فَلَمْ أَقَعْ عَلَی أَحَدٍ یُثْبِتُ لِی وَاحِداً لَیْسَ غَیْرَهُ قَائِماً بِوَحْدَانِیَّتِهِ، أَ فَتَأْذَنُ لِی أَنْ أَسْأَلَکَ؟ قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنْ کَانَ فِی الْجَمَاعَةِ عِمْرَانُ الصَّابِئُ فَأَنْتَ هُوَ. فَقَالَ: أَنَا هُوَ. فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: سَلْ یَا عِمْرَانُ وَ عَلَیْکَ بِالنَّصَفَةِ وَ إِیَّاکَ وَ الْخَطَلَ وَ الْجَوْرَ. قَالَ: وَ اللَّهِ یَا سَیِّدِی مَا أُرِیدُ إِلَّا أَنْ تُثْبِتَ لِی شَیْئاً أَتَعَلَّقُ بِهِ فَلَا أَجُوزَهُ. قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَکَ. فَازْدَحَمَ عَلَیْهِ النَّاسُ وَ انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَی بَعْضٍ.
فَقَالَ عِمْرَانُ الصَّابِئُ: أَخْبِرْنِی عَنِ الْکَائِنِ الْأَوَّلِ وَ عَمَّا خَلَقَ. قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: سَأَلْتَ فَافْهَمْ. أَمَّا الْوَاحِدُ فَلَمْ یَزَلْ وَاحِداً کَائِناً لَا شَیْ ءَ مَعَهُ بِلَا حُدُودٍ وَ لَا أَعْرَاضٍ، وَ لَا یَزَالُ کَذَلِکَ. ثُمَّ خَلَقَ خَلْقاً مُبْتَدَعاً مُخْتَلِفاً بِأَعْرَاضٍ وَ حُدُودٍ مُخْتَلِفَةٍ، لَا فِی شَیْ ءٍ أَقَامَهُ وَ لَا فِی شَیْ ءٍ حَدَّهُ وَ لَا عَلَی شَیْ ءٍ حَذَاهُ وَ لَا مَثَّلَهُ لَهُ. فَجَعَلَ مِنْ بَعْدِ ذَلِکَ الْخَلْقِ صَفْوَةً وَ غَیْرَ صَفْوَةٍ وَ اخْتِلَافاً وَ ائْتِلَافاً وَ أَلْوَاناً وَ ذَوْقاً وَ طَعْماً، لَا لِحَاجَةٍ کَانَتْ مِنْهُ إِلَی ذَلِکَ وَ لَا لِفَضْلِ مَنْزِلَةٍ لَمْ یَبْلُغْهَا إِلَّا بِهِ وَ لَا رَأَی لِنَفْسِهِ فِیمَا خَلَقَ زِیَادَةً وَ لَا نُقْصَاناً. تَعْقِلُ هَذَا یَا عِمْرَانُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَ اللَّهِ یَا سَیِّدِی. قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَ اعْلَمْ یَا عِمْرَانُ أَنَّهُ لَوْ کَانَ خَلَقَ مَا خَلَقَ لِحَاجَةٍ لَمْ یَخْلُقْ إِلَّا مَنْ یَسْتَعِینُ بِهِ عَلَی حَاجَتِهِ وَ لَکَانَ یَنْبَغِی أَنْ یَخْلُقَ أَضْعَافَ مَا خَلَقَ لِأَنَّ الْأَعْوَانَ کُلَّمَا کَثُرُوا کَانَ صَاحِبُهُمْ أَقْوَی. وَ الْحَاجَةُ یَا عِمْرَانُ لَا یَسَعُهَا لِأَنَّهُ لَمْ یُحْدِثْ مِنَ الْخَلْقِ شَیْئاً إِلَّا حَدَثَتْ فِیهِ حَاجَةٌ أُخْرَی. وَ لِذَلِکَ أَقُولُ: لَمْ یَخْلُقِ الْخَلْقَ لِحَاجَةٍ، وَ لَکِنْ نَقَلَ بِالْخَلْقِ الْحَوَائِجَ بَعْضَهُمْ إِلَی بَعْضٍ وَ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَی بَعْضٍ بِلَا حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَی مَنْ فَضَّلَ وَ لَا نَقِمَةٍ مِنْهُ عَلَی مَنْ أَذَلَّ، فَلِهَذَا خَلَقَ.
قَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، هَلْ كَانَ الْكَائِنُ مَعْلُوماً فِي نَفْسِهِ عِنْدَ نَفْسِهِ؟ قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّمَا تَكُونُ الْمَعْلَمَةُ بِالشَّيْءِ لِنَفْيِ خِلَافِهِ وَ لِيَكُونَ الشَّيْءُ نَفْسُهُ بِمَا نُفِيَ عَنْهُ مَوْجُوداً، وَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَيْءٌ يُخَالِفُهُ فَتَدْعُوهُ الْحَاجَةُ إِلَى نَفْيِ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَنْ نَفْسِهِ بِتَحْدِيدِ عِلْمٍ مِنْهَا. أَ فَهِمْتَ يَا عِمْرَانُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَ اللَّهِ يَا سَيِّدِي. فَأَخْبِرْنِي بِأَيِّ شَيْءٍ عَلِمَ مَا عَلِمَ؟ أَ بِضَمِيرٍ أَمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ؟ قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَ رَأَيْتَ إِذَا عَلِمَ بِضَمِيرٍ هَلْ تَجِدُ بُدّاً مِنْ أَنْ تَجْعَلَ لِذَلِكَ الضَّمِيرِ حَدّاً يَنْتَهِي إِلَيْهِ الْمَعْرِفَةُ؟ قَالَ عِمْرَانُ: لَا بُدَّ مِنْ ذَلِکَ. قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَمَا ذَلِكَ الضَّمِيرُ؟ فَانْقَطَعَ وَ لَمْ یُحِرْ جَوَاباً. قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا بَأْسَ، إِنْ سَأَلْتُکَ عَنِ الضَّمِیرِ نَفْسِهِ، تَعْرِفُهُ بِضَمِیرٍ آخَرَ؟ فَقَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَفْسَدْتَ عَلَیْکَ قَوْلَکَ وَ دَعْوَاکَ یَا عِمْرَانُ. أَ لَیْسَ یَنْبَغِی أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْوَاحِدَ لَیْسَ یُوصَفُ بِضَمِیرٍ، وَ لَیْسَ یُقَالُ لَهُ أَکْثَرُ مِنْ فِعْلٍ وَ عَمَلٍ وَ صُنْعٍ، وَ لَیْسَ یُتَوَهَّمُ مِنْهُ مَذَاهِبُ وَ تَجْزِئَةٌ کَمَذَاهِبِ الْمَخْلُوقِینَ وَ تَجْزِئَتِهِمْ. فَاعْقِلْ ذَلِکَ وَ ابْنِ عَلَیْهِ مَا عَلِمْتَ صَوَاباً.
قَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنْ حُدُودِ خَلْقِهِ كَيْفَ هِيَ وَ مَا مَعَانِيهَا وَ عَلَى كَمْ نَوْعٍ يَتَكَوَّنُ؟ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَدْ سَأَلْتَ فَافْهَمْ. إِنَّ حُدُودَ خَلْقِهِ عَلَی سِتَّةِ أَنْوَاعٍ: مَلْمُوسٍ وَ مَوْزُونٍ وَ مَنْظُورٍ إِلَیْهِ وَ مَا لَا وَزْنَ لَهُ وَ هُوَ الرُّوحُ، وَ مِنْهَا مَنْظُورٌ إِلَیْهِ وَ لَیْسَ لَهُ وَزْنٌ وَ لَا لَمْسٌ وَ لَا حِسُّ وَ لَا لَوْنٌ وَ لَا ذَوْقٌ، وَ التَّقْدِیرُ وَ الْأَعْرَاضُ وَ الصُّوَرُ وَ الْعَرْضُ وَ الطُّولُ، وَ مِنْهَا الْعَمَلُ وَ الْحَرَکَاتُ الَّتِی تَصْنَعُ الْأَشْیَاءَ وَ تُعْلِمُهَا وَ تُغَیِّرُهَا مِنْ حَالٍ إِلَی حَالٍ وَ تَزِیدُهَا وَ تَنْقُصُهَا. وَ أَمَّا الْأَعْمَالُ وَ الْحَرَکَاتُ فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ لِأَنَّهَا لَا وَقْتَ لَهَا أَکْثَرَ مِنْ قَدْرِ مَا یَحْتَاجُ إِلَیْهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الشَّیْ ءِ انْطَلَقَ بِالْحَرَکَةِ وَ بَقِیَ الْأَثَرُ، وَ یَجْرِی مَجْرَی الْکَلَامِ الَّذِی یَذْهَبُ وَ یَبْقَی أَثَرُهُ.
قَالَ لَهُ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنِ الْخَالِقِ إِذَا كَانَ وَاحِداً لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَ لَا شَيْءَ مَعَهُ، أَ لَيْسَ قَدْ تَغَيَّرَ بِخَلْقِهِ الْخَلْقَ؟ قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَمْ يَتَغَيَّرْ عَزَّ وَ جَلَّ بِخَلْقِ الْخَلْقِ، وَ لَكِنَّ الْخَلْقَ يَتَغَيَّرُ بِتَغْيِيرِهِ. قَالَ عِمْرَانُ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ عَرَفْنَاهُ؟ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: بِغَيْرِهِ. قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ غَيْرُهُ؟ قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَشِيَّتُهُ وَ اسْمُهُ وَ صِفَتُهُ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَ كُلُّ ذَلِكَ مُحْدَثٌ مَخْلُوقٌ مُدَبَّرٌ. قَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، فَأَيُّ شَيْءٍ هُوَ؟ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: هُوَ نُورٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ هَادٍ لِخَلْقِهِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَ أَهْلِ الْأَرْضِ. وَ لَیْسَ لَکَ عَلَی أَکْثَرَ مِنْ تَوْحِیدِی إِیَّاهُ. قَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، أَ لَيْسَ قَدْ كَانَ سَاكِتاً قَبْلَ الْخَلْقِ لَا يَنْطِقُ ثُمَّ نَطَقَ؟ قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا يَكُونُ السُّكُوتُ إِلَّا عَنْ نُطْقٍ قَبْلَهُ. وَ الْمَثَلُ فِی ذَلِکَ أَنَّهُ لَا یُقَالُ لِلسِّرَاجِ هُوَ سَاکِتٌ لَا یَنْطِقُ وَ لَا یُقَالُ إِنَّ السِّرَاجَ لَیُضِیئُ فِیمَا یُرِیدُ أَنْ یَفْعَلَ بِنَا، لِأَنَّ الضَّوْءَ مِنَ السِّرَاجِ لَیْسَ بِفِعْلٍ مِنْهُ وَ لَا کَوْنٍ وَ إِنَّمَا هُوَ لَیْسَ شَیْ ءٌ غَیْرَهُ. فَلَمَّا اسْتَضَاءَ لَنَا قُلْنَا قَدْ أَضَاءَ لَنَا حَتَّی اسْتَضَأْنَا بِهِ. فَبِهَذَا تَسْتَبْصِرُ أَمْرَکَ.
قَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، فَإِنَّ الَّذِي كَانَ عِنْدِي أَنَّ الْكَائِنَ قَدْ تَغَيَّرَ فِي فِعْلِهِ عَنْ حَالِهِ بِخَلْقِهِ الْخَلْقَ. قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَحَلْتَ يَا عِمْرَانُ فِي قَوْلِكَ إِنَّ الْكَائِنَ يَتَغَيَّرُ فِي وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ حَتَّى يُصِيبَ الذَّاتَ مِنْهُ مَا يُغَيِّرُهُ. يَا عِمْرَانُ، هَلْ تَجِدُ النَّارَ يُغَيِّرُهَا تَغَيُّرُ نَفْسِهَا؟ أَوْ هَلْ تَجِدُ الْحَرَارَةَ تُحْرِقُ نَفْسَهَا؟ أَوْ هَلْ رَأَيْتَ بَصِيراً قَطُّ رَأَى بَصَرَهُ؟ قَالَ عِمْرَانُ: لَمْ أَرَ هَذَا. أَ لَا تُخْبِرُنِي يَا سَيِّدِي، أَ هُوَ فِي الْخَلْقِ أَمِ الْخَلْقُ فِيهِ؟ قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: جَلَّ يَا عِمْرَانُ عَنْ ذَلِكَ، لَيْسَ هُوَ فِي الْخَلْقِ وَ لَا الْخَلْقُ فِيهِ، تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ. وَ سَأُعَلِّمُكَ مَا تَعْرِفُهُ بِهِ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. أَخْبِرْنِي عَنِ الْمِرْآةِ، أَنْتَ فِيهَا أَمْ هِيَ فِيكَ؟ فَإِنْ كَانَ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْكُمَا فِي صَاحِبِهِ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ اسْتَدْلَلْتَ بِهَا عَلَى نَفْسِکَ؟ قَالَ عِمْرَانُ: بِضَوْءٍ بَیْنِی وَ بَیْنَهَا. فَقَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: هَلْ تَرَی مِنْ ذَلِکَ الضَّوْءِ فِی الْمِرْآةِ أَکْثَرَ مِمَّا تَرَاهُ فِی عَیْنِکَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَأَرِنَاهُ. فَلَمْ یُحِرْ جَوَاباً. قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَلَا أَرَی النُّورَ إِلَّا وَ قَدْ دَلَّکَ وَ دَلَّ الْمِرْآةَ عَلَی أَنْفُسِکُمَا مِنْ غَیْرِ أَنْ یَکُونَ فِی وَاحِدٍ مِنْکُمَا. وَ لِهَذَا أَمْثَالٌ کَثِیرَةٌ غَیْرُ هَذَا لَا یَجِدُ الْجَاهِلُ فِیهَا مَقَالًا. وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَی.
ثُمَّ الْتَفَتَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَی الْمَأْمُونِ فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَدْ حَضَرَتْ. فَقَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، لَا تَقْطَعْ عَلَيَّ مَسْأَلَتِي فَقَدْ رَقَّ قَلْبِي. قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: نُصَلِّی وَ نَعُودُ. فَنَهَضَ وَ نَهَضَ الْمَأْمُونُ، فَصَلَّی الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ دَاخِلًا وَ صَلَّی النَّاسُ خَارِجاً خَلْفَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ. ثُمَّ خَرَجَا فَعَادَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَی مَجْلِسِهِ وَ دَعَا بِعِمْرَانَ فَقَالَ: سَلْ یَا عِمْرَانُ. قَالَ: يَا سَيِّدِي، أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ هَلْ يُوَحَّدُ بِحَقِيقَةٍ أَوْ يُوَحَّدُ بِوَصْفٍ؟ قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّ اللَّهَ الْمُبْدِئَ الْوَاحِدَ الْکَائِنَ الْأَوَّلَ لَمْ یَزَلْ وَاحِداً لَا شَیْ ءَ مَعَهُ، فَرْداً لَا ثَانِیَ مَعَهُ، لَا مَعْلُوماً وَ لَا مَجْهُولًا، وَ لَا مُحْکَماً وَ لَا مُتَشَابِهاً، وَ لَا مَذْکُوراً وَ لَا مَنْسِیّاً، وَ لَا شَیْئاً یَقَعُ عَلَیْهِ اسْمُ شَیْ ءٍ مِنَ الْأَشْیَاءِ غَیْرَهُ، وَ لَا مِنْ وَقْتٍ کَانَ وَ لَا إِلَی وَقْتٍ یَکُونُ، وَ لَا بِشَیْ ءٍ قَامَ وَ لَا إِلَی شَیْ ءٍ یَقُومُ، وَ لَا إِلَی شَیْ ءٍ اسْتَنَدَ وَ لَا فِی شَیْ ءٍ اسْتَکَنَّ. وَ ذَلِکَ کُلُّهُ قَبْلَ الْخَلْقِ، إِذْ لَا شَیْ ءَ غَیْرُهُ. وَ مَا أُوقِعَتْ عَلَیْهِ مِنَ الْکُلِّ فَهِیَ صِفَاتٌ مُحْدَثَةٌ وَ تَرْجَمَةٌ یَفْهَمُ بِهَا مَنْ فَهِمَ.
وَ اعْلَمْ أَنَّ الْإِبْدَاعَ وَ الْمَشِیَّةَ وَ الْإِرَادَةَ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ وَ أَسْمَاءَهَا ثَلَاثَةٌ. وَ کَانَ أَوَّلُ إِبْدَاعِهِ وَ إِرَادَتِهِ وَ مَشِیَّتِهِ الْحُرُوفَ الَّتِی جَعَلَهَا أَصْلًا لِکُلِّ شَیْ ءٍ وَ دَلِیلًا عَلَی کُلِ مُدْرَکٍ وَ فَاصِلًا لِکُلِّ مُشْکِلٍ. وَ تِلْکَ الْحُرُوفُ تَفْرِیقُ کُلِّ شَیْ ءٍ مِنْ اسْمِ حَقٍّ وَ بَاطِلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ مَفْعُولٍ أَوْ مَعْنًی أَوْ غَیْرِ مَعْنًی، وَ عَلَیْهَا اجْتَمَعَتِ الْأُمُورُ کُلُّهَا. وَ لَمْ یَجْعَلْ لِلْحُرُوفِ فِی إِبْدَاعِهِ لَهَا مَعْنًی غَیْرَ أَنْفُسِهَا یَتَنَاهَی وَ لَا وُجُودَ لِأَنَّهَا مُبْدَعَةٌ بِالْإِبْدَاعِ. وَ النُّورُ فِی هَذَا الْمَوْضِعِ أَوَّلُ فِعْلِ اللَّهِ الَّذِی هُوَ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ. وَ الْحُرُوفُ هِیَ الْمَفْعُولُ بِذَلِکَ الْفِعْلِ، وَ هِیَ الْحُرُوفُ الَّتِی عَلَیْهَا الْکَلَامُ وَ الْعِبَارَاتُ کُلُّهَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَّمَهَا خَلْقَهُ وَ هِیَ ثَلَاثَةٌ وَ ثَلَاثُونَ حَرْفاً. فَمِنْهَا ثَمَانِیَةٌ وَ عِشْرُونَ حَرْفاً تَدُلُّ عَلَی اللُّغَاتِ الْعَرَبِیَّةِ، وَ مِنَ الثَّمَانِیَةِ وَ الْعِشْرِینَ اثْنَانِ وَ عِشْرُونَ حَرْفاً تَدُلُّ عَلَی اللُّغَاتِ السُّرْیَانِیَّةِ وَ الْعِبْرَانِیَّةِ، وَ مِنْهَا خَمْسَةُ أَحْرُفٍ مُتَحَرِّفَةٍ فِی سَائِرِ اللُّغَاتِ مِنَ الْعَجَمِ لِأَقَالِیمِ اللُّغَاتِ کُلِّهَا وَ هِیَ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ تَحَرَّفَتْ مِنَ الثَّمَانِیَةِ وَ الْعِشْرِینَ الْحَرْفَ مِنَ اللُّغَاتِ، فَصَارَتِ الْحُرُوفُ ثَلَاثَةً وَ ثَلَاثِینَ حَرْفاً. فَأَمَّا الْخَمْسَةُ الْمُخْتَلِفَةُ فَبِحُجَجٍ لَا یَجُوزُ ذِکْرُهَا أَکْثَرَ مِمَّا ذَکَرْنَاهُ. ثُمَّ جَعَلَ الْحُرُوفَ بَعْدَ إِحْصَائِهَا وَ إِحْکَامِ عِدَّتِهَا فِعْلًا مِنْهُ کَقَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ: «کُنْ فَیَکُونُ». وَ «کُنْ» مِنْهُ صُنْعٌ وَ مَا یَکُونُ بِهِ الْمَصْنُوعُ.
فَالْخَلْقُ الْأَوَّلُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ الْإِبْدَاعُ، لَا وَزْنَ لَهُ وَ لَا حَرَکَةَ وَ لَا سَمْعَ وَ لَا لَوْنَ وَ لَا حِسَّ. وَ الْخَلْقُ الثَّانِی الْحُرُوفُ، لَا وَزْنَ لَهَا وَ لَا لَوْنَ وَ هِیَ مَسْمُوعَةٌ مَوْصُوفَةٌ غَیْرُ مَنْظُورٍ إِلَیْهَا. وَ الْخَلْقُ الثَّالِثُ مَا کَانَ مِنَ الْأَنْوَاعِ کُلِّهَا مَحْسُوساً مَلْمُوساً ذَا ذَوْقِ مَنْظُوراً إِلَیْهِ. وَ اللَّهُ تَبَارَکَ وَ تَعَالَی سَابِقٌ لِلْإِبْدَاعِ لِأَنَّهُ لَیْسَ قَبْلَهُ عَزَّ وَ جَلَّ شَیْ ءٌ وَ لَا کَانَ مَعَهُ شَیْ ءٌ. وَ الْإِبْدَاعُ سَابِقٌ لِلْحُرُوفِ، وَ الْحُرُوفُ لَا تَدُلُّ عَلَی غَیْرِ أَنْفُسِهَا. قَالَ الْمَأْمُونُ: وَ کَیْفَ لَا تَدُلُّ عَلَی غَیْرِ أَنْفُسِهَا؟ قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَکَ وَ تَعَالَی لَا یَجْمَعُ مِنْهَا شَیْئاً لِغَیْرِ مَعْنًی أَبَداً. فَإِذَا أَلَّفَ مِنْهَا أَحْرُفاً أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً أَوْ أَکْثَرَ مِنْ ذَلِکَ أَوْ أَقَلَّ، لَمْ یُؤَلِّفْهَا لِغَیْرِ مَعْنًی وَ لَمْ یَکُ إِلَّا لِمَعْنًی مُحْدَثٍ لَمْ یَکُنْ قَبْلَ ذَلِکَ شَیْئاً. قَالَ عِمْرَانُ: فَکَیْفَ لَنَا بِمَعْرِفَةِ ذَلِکَ؟ قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَمَّا الْمَعْرِفَةُ فَوَجْهُ ذَلِکَ وَ بَابُهُ أَنَّکَ تَذْکُرُ الْحُرُوفَ إِذَا لَمْ تُرِدْ بِهَا غَیْرَ أَنْفُسِهَا ذَکَرْتَهَا فَرْداً فَقُلْتَ: أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ... حَتَّی تَأْتِیَ عَلَی آخِرِهَا، فَلَمْ تَجِدْ لَهَا مَعْنًی غَیْرَ أَنْفُسِهَا. فَإِذَا أَلَّفْتَهَا وَ جَمَعْتَ مِنْهَا أَحْرُفاً وَ جَعَلْتَهَا اسْماً وَ صِفَةً لِمَعْنَی مَا طَلَبْتَ وَ وَجْهِ مَا عَنَیْتَ، کَانَتْ دَلِیلَةً عَلَی مَعَانِیهَا دَاعِیَةً إِلَی الْمَوْصُوفِ بِهَا. أَ فَهِمْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا یَکُونُ صِفَةٌ لِغَیْرِ مَوْصُوفٍ وَ لَا اسْمٌ لِغَیْرِ مَعْنًی وَ لَا حَدٌّ لِغَیْرِ مَحْدُودٍ. وَ الصِّفَاتُ وَ الْأَسْمَاءُ کُلُّهَا تَدُلُّ عَلَی الْکَمَالِ وَ الْوُجُودِ وَ لَا تَدُلُّ عَلَی الْإِحَاطَةِ کَمَا تَدُلُّ عَلَی الْحُدُودِ الَّتِی هِیَ التَّرْبِیعُ وَ التَّثْلِیثُ وَ التَّسْدِیسُ. لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ تَقَدَّسَ تُدْرَکُ مَعْرِفَتُهُ بِالصِّفَاتِ وَ الْأَسْمَاءِ وَ لَا تُدْرَکُ بِالتَّحْدِیدِ بِالطُّولِ وَ الْعَرْضِ وَ الْقِلَّةِ وَ الْکَثْرَةِ وَ اللَّوْنِ وَ الْوَزْنِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِکَ. وَ لَیْسَ یَحُلُّ بِاللَّهِ جَلَّ وَ تَقَدَّسَ شَیْ ءٌ مِنْ ذَلِکَ حَتَّی یَعْرِفَهُ خَلْقُهُ بِمَعْرِفَتِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِالضَّرُورَةِ الَّتِی ذَکَرْنَا. وَ لَکِنْ یُدَلُّ عَلَی اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِصِفَاتِهِ وَ یُدْرَکُ بِأَسْمَائِهِ وَ یُسْتَدَلُّ عَلَیْهِ بِخَلْقِهِ حَتَّی لَا یَحْتَاجَ فِی ذَلِکَ الطَّالِبُ الْمُرْتَادُ إِلَی رُؤْیَةِ عَیْنٍ وَ لَا اسْتِمَاعِ أُذُنٍ وَ لَا لَمْسِ کَفٍّ وَ لَا إِحَاطَةٍ بِقَلْبٍ. فَلَوْ کَانَتْ صِفَاتُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَا تَدُلُّ عَلَیْهِ وَ أَسْمَاؤُهُ لَا تَدْعُو إِلَیْهِ وَ الْمَعْلَمَةُ مِنَ الْخَلْقِ لَا تُدْرِکُهُ لِمَعْنَاهُ، کَانَتِ الْعِبَادَةُ مِنَ الْخَلْقِ لِأَسْمَائِهِ وَ صِفَاتِهِ دُونَ مَعْنَاهُ. فَلَوْ لَا أَنَّ ذَلِکَ کَذَلِکَ لَکَانَ الْمَعْبُودُ الْمُوَحَّدُ غَیْرَ اللَّهِ تَعَالَی لِأَنَّ صِفَاتِهِ وَ أَسْمَاءَهُ غَیْرُهُ. أَ فَهِمْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ یَا سَیِّدِی، زِدْنِی.
قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِیَّاکَ وَ قَوْلَ الْجُهَّالِ أَهْلِ الْعَمَی وَ الضَّلَالِ الَّذِینَ یَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ تَقَدَّسَ مَوْجُودٌ فِی الْآخِرَةِ لِلْحِسَابِ وَ الثَّوَابِ وَ الْعِقَابِ وَ لَیْسَ بِمَوْجُودٍ فِی الدُّنْیَا لِلطَّاعَةِ وَ الرَّجَاءِ. وَ لَوْ کَانَ فِی الْوُجُودِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ نَقْصٌ وَ اهْتِضَامٌ لَمْ یُوجَدْ فِی الْآخِرَةِ أَبَداً. وَ لَکِنَّ الْقَوْمَ تَاهُوا وَ عَمُوا وَ صَمُّوا عَنِ الْحَقِّ مِنْ حَیْثُ لَا یَعْلَمُونَ. وَ ذَلِکَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ: «وَ مَنْ کانَ فِی هذِهِ أَعْمی فَهُوَ فِی الْآخِرَةِ أَعْمی وَ أَضَلُّ سَبِیلًا». یَعْنِی أَعْمَی عَنِ الْحَقَائِقِ الْمَوْجُودَةِ. وَ قَدْ عَلِمَ ذَوُو الْأَلْبَابِ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَی مَا هُنَاکَ لَا یَکُونُ إِلَّا بِمَا هَاهُنَا. وَ مَنْ أَخَذَ عِلْمَ ذَلِکَ بِرَأْیِهِ وَ طَلَبَ وُجُودَهُ وَ إِدْرَاکَهُ عَنْ نَفْسِهِ دُونَ غَیْرِهَا لَمْ یَزْدَدْ مِنْ عِلْمِ ذَلِکَ إِلَّا بُعْداً لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ عِلْمَ ذَلِکَ خَاصَّةً عِنْدَ قَوْمٍ یَعْقِلُونَ وَ یَعْلَمُونَ وَ یَفْهَمُونَ.
قَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنِ الْإِبْدَاعِ، خَلْقٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ خَلْقٍ؟ قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: بَلْ خَلْقٌ سَاکِنٌ لَا یُدْرَکُ بِالسُّکُونِ. وَ إِنَّمَا صَارَ خَلْقاً لِأَنَّهُ شَیْ ءٌ مُحْدَثٌ وَ اللَّهُ الَّذِی أَحْدَثَهُ فَصَارَ خَلْقاً لَهُ. وَ إِنَّمَا هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ خَلْقُهُ، لَا ثَالِثَ بَیْنَهُمَا وَ لَا ثَالِثَ غَیْرُهُمَا. فَمَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ یَعْدُ أَنْ یَکُونَ خَلْقَهُ. وَ قَدْ یَکُونُ الْخَلْقُ سَاکِناً وَ مُتَحَرِّکاً وَ مُخْتَلِفاً وَ مُؤْتَلِفاً وَ مَعْلُوماً وَ مُتَشَابِهاً، وَ کُلُّ مَا وَقَعَ عَلَیْهِ حَدٌّ فَهُوَ خَلْقُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ. وَ اعْلَمْ أَنَّ کُلَّ مَا أَوْجَدَتْکَ الْحَوَاسُّ فَهُوَ مَعْنًی مُدْرَکٌ لِلْحَوَاسِّ. وَ کُلُّ حَاسَّةٍ تَدُلُّ عَلَی مَا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهَا فِی إِدْرَاکِهَا، وَ الْفَهْمُ مِنَ الْقَلْبِ بِجَمِیعِ ذَلِکَ کُلِّهِ.
وَ اعْلَمْ أَنَّ الْوَاحِدَ الَّذِی هُوَ قَائِمٌ بِغَیْرِ تَقْدِیرٍ وَ لَا تَحْدِیدٍ، خَلَقَ خَلْقاً مُقَدَّراً بِتَحْدِیدٍ وَ تَقْدِیرٍ. وَ کَانَ الَّذِی خَلَقَ خَلْقَیْنِ اثْنَیْنِ: التَّقْدِیرُ وَ الْمُقَدَّرُ. فَلَیْسَ فِی کُلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْنٌ وَ لَا ذَوْقٌ وَ لَا وَزْنٌ. فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا یُدْرَکُ بِالْآخَرِ وَ جَعَلَهُمَا مُدْرَکَیْنِ بِأَنْفُسِهِمَا. وَ لَمْ یَخْلُقْ شَیْئاً فَرْداً قَائِماً بِنَفْسِهِ دُونَ غَیْرِهِ لِلَّذِی أَرَادَ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَی نَفْسِهِ وَ إِثْبَاتِ وُجُودِهِ. وَ اللَّهُ تَبَارَکَ وَ تَعَالَی فَرْدٌ وَاحِدٌ لَا ثَانِیَ مَعَهُ یُقِیمُهُ وَ لَا یَعْضُدُهُ وَ لَا یُمْسِکُهُ. وَ الْخَلْقُ یُمْسِکُ بَعْضُهُ بَعْضاً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مَشِیَّتِهِ. وَ إِنَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِی هَذَا الْبَابِ حَتَّی تَاهُوا وَ تَحَیَّرُوا وَ طَلَبُوا الْخَلَاصَ مِنَ الظُّلْمَةِ بِالظُّلْمَةِ فِی وَصْفِهِمُ اللَّهَ بِصِفَةِ أَنْفُسِهِمْ فَازْدَادُوا مِنَ الْحَقِّ بُعْداً. وَ لَوْ وَصَفُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِصِفَاتِهِ وَ وَصَفُوا الْمَخْلُوقِینَ بِصِفَاتِهِمْ لَقَالُوا بِالْفَهْمِ وَ الْیَقِینِ وَ لَمَا اخْتَلَفُوا. فَلَمَّا طَلَبُوا مِنْ ذَلِکَ مَا تَحَیَّرُوا فِیهِ ارْتَبَکُوا. وَ اللَّهُ یَهْدِی مَنْ یَشاءُ إِلی صِراطٍ مُسْتَقِیمٍ.
قَالَ عِمْرَانُ: يَا سَيِّدِي، أَشْهَدُ أَنَّهُ كَمَا وَصَفْتَ، وَ لَكِنْ بَقِيَتْ لِي مَسْأَلَةٌ. قَالَ: سَلْ عَمَّا أَرَدْتَ. قَالَ: أَسْأَلُکَ عَنِ الْحَکِیمِ فِی أَیِّ شَیْ ءٍ هُوَ؟ وَ هَلْ یُحِیطُ بِهِ شَیْ ءٌ؟ وَ هَلْ یَتَحَوَّلُ مِنْ شَیْ ءٍ إِلَی شَیْ ءٍ؟ أَوْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَی شَیْ ءٍ؟ قَالَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: أُخْبِرُکَ یَا عِمْرَانُ فَاعْقِلْ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ فَإِنَّهُ مِنْ أَغْمَضِ مَا یَرِدُ عَلَی الْمَخْلُوقِینَ فِی مَسَائِلِهِمْ وَ لَیْسَ یَفْهَمُهُ الْمُتَفَاوِتُ عَقْلُهُ الْعَازِبُ عِلْمُهُ، وَ لَا یَعْجِزُ عَنْ فَهِمِهِ أُولُو الْعَقْلِ الْمُنْصِفُونَ. أَمَّا أَوَّلُ ذَلِکَ فَلَوْ کَانَ خَلَقَ مَا خَلَقَ لِحَاجَةٍ مِنْهُ لَجَازَ لِقَائِلٍ أَنْ یَقُولَ یَتَحَوَّلُ إِلَی مَا خَلَقَ لِحَاجَتِهِ إِلَی ذَلِکَ. وَ لَکِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ یَخْلُقْ شَیْئاً لِحَاجَتِهِ. وَ لَمْ یَزَلْ ثَابِتاً لَا فِی شَیْ ءٍ وَ لَا عَلَی شَیْ ءٍ. إِلَّا أَنَّ الْخَلْقَ یُمْسِکُ بَعْضُهُ بَعْضاً وَ یَدْخُلُ بَعْضُهُ فِی بَعْضٍ وَ یَخْرُجُ مِنْهُ. وَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ تَقَدَّسَ بِقُدْرَتِهِ یُمْسِکُ ذَلِکَ کُلَّهُ، وَ لَیْسَ یَدْخُلُ فِی شَیْ ءٍ وَ لَا یَخْرُجُ مِنْهُ وَ لَا یَؤُدُهُ حِفْظُهُ وَ لَا یَعْجِزُ عَنْ إِمْسَاکِهِ. وَ لَا یَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ کَیْفَ ذَلِکَ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَنْ أَطْلَعَهُ عَلَیْهِ مِنْ رُسُلِهِ وَ أَهْلِ سِرِّهِ وَ الْمُسْتَحْفِظِینَ لِأَمْرِهِ وَ خُزَّانِهِ الْقَائِمِینَ بِشَرِیعَتِهِ. وَ إِنَّمَا أَمْرُهُ کَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ. إِذَا شَاءَ شَیْئاً فَإِنَّما یَقُولُ لَهُ کُنْ فَیَکُونُ بِمَشِیَّتِهِ وَ إِرَادَتِهِ. وَ لَیْسَ شَیْ ءٌ مِنْ خَلْقِهِ أَقْرَبَ إِلَیْهِ مِنْ شَیْ ءٍ وَ لَا شَیْ ءٌ مِنْهُ هُوَ أَبْعَدَ مِنْهُ مِنْ شَیْ ءٍ. أَ فَهِمْتَ یَا عِمْرَانُ؟ قَالَ: نَعَمْ یَا سَیِّدِی قَدْ فَهِمْتُ. وَ أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَی مَا وَصَفْتَهُ وَ وَحَّدْتَهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ الْمَبْعُوثُ بِالْهُدَی وَ دِینِ الْحَقِّ. ثُمَّ خَرَّ سَاجِداً نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَ أَسْلَمَ.
قَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيُّ: فَلَمَّا نَظَرَ الْمُتَكَلِّمُونَ إِلَى كَلَامِ عِمْرَانَ الصَّابِئِ وَ كَانَ جَدِلًا لَمْ يَقْطَعْهُ عَنْ حُجَّتِهِ أَحَدٌ قَطُّ، لَمْ يَدْنُ مِنَ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَ لَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ.
________________________________________
۲. ترجمه روان فارسی
امام رضا علیه السلام فرمودند: «ای مردم، اگر در میان شما کسی مخالف اسلام هست و میخواهد سؤالی بپرسد، بدون هیچ ملاحظه و خجالتی بپرسد.»
در این هنگام عمران صابی که یکی از متخصصان علم کلام بود، برخاست و گفت: «ای دانای مردم! اگر خودت به پرسش دعوت نکرده بودی، من برای سؤال کردن پیشقدم نمیشدم. من به کوفه، بصره، شام و جزیره سفر کرده و با متکلمان بسیاری گفتگو کردهام، اما کسی را نیافتم که برایم "واحدی" را اثبات کند که قائم به یگانگی خویش بوده و غیر از او چیزی نباشد. آیا اجازه میدهی از تو سؤال کنم؟»
امام رضا علیه السلام فرمودند: «اگر در این جمع، عمران صابی حضور داشته باشد، آن تو هستی.»
عمران گفت: «من همانم.»
امام فرمودند: «ای عمران، بپرس؛ اما بر تو باد به انصاف و از سخن بیپایه و ستم بپرهیز.»
عمران گفت: «به خدا قسم سرورم، جز این نمیخواهم که چیزی را برایم اثبات کنی که به آن بیاویزم و از آن فراتر نروم.»
امام فرمودند: «هر چه میخواهی بپرس.» در این هنگام، مردم به گرد ایشان ازدحام کردند و به یکدیگر فشرده شدند.
[ادامه ترجمه در بخش خلاصه و دستهبندی آمده است]
________________________________________
۳. خلاصه و دستهبندی موضوعی
۱. آغاز مناظره: تبیین وحدت ذاتی خداوند و تمایز او از مخلوقات
• سؤال عمران: از "هستی اول" و آنچه آفریده است برایم بگو.
• پاسخ امام (ع): «خوب پرسیدی، پس بفهم. آن "واحد"، همواره واحد و هستیمند بوده، در حالی که هیچ چیز با او نبود؛ بدون هیچ حد و عَرَضی (ویژگی پدیداری) و همواره چنین خواهد بود. سپس آفریدهای نوپدید و گوناگون را با اعراض و حدود مختلف آفرید؛ نه آن را در "چیزی" برپا داشت، نه در "چیزی" محدودش کرد و نه بر اساس "چیزی" آن را الگوبرداری نمود. سپس در این آفرینش، تفاوتها، رنگها و طعمها قرار داد، نه به خاطر نیازی که به آن داشت و نه برای رسیدن به جایگاهی که فاقد آن بود. آیا این را درک میکنی؟»
۲. فلسفه خلقت: نفی انگیزه "نیاز" در آفرینش
• ادامه پاسخ امام (ع): «بدان ای عمران که اگر خدا مخلوقات را از روی "نیاز" میآفرید، باید فقط چیزهایی را خلق میکرد که در رفع نیازش به او کمک کنند و شایسته بود که چندین برابر این مخلوقات را بیافریند، زیرا هر چه یاران بیشتر باشند، صاحبشان قویتر است. من میگویم: او خلق را برای نیاز خود نیافرید، بلکه نیازها را میان خود مخلوقات جابجا کرد و برخی را بر برخی دیگر برتری داد، بدون آنکه به آنکه برتری داده نیازی داشته باشد یا از آنکه فروتر قرار داده انتقامی بگیرد. برای این (حکمت) آفرید.»
۳. کیفیت علم الهی: نفی علم حصولی و ابزارمند (ضمیر)
• سؤال عمران: آیا آن "هستی اول" در ذات خود، برای ذات خود معلوم بود (خود را میشناخت)؟
• پاسخ امام (ع): «شناختن یک چیز، برای نفی غیر آن است. در آنجا غیری وجود نداشت که نیاز باشد با شناخت خود، آن غیر را از خود نفی کند.»
• سؤال عمران: پس با چه چیزی دانست؟ با "ضمیر" (ابزار درونی شناخت) یا چیز دیگر؟
• پاسخ امام (ع): «اگر با "ضمیر" بداند، آیا ناچار نیستی برای آن ضمیر حدی قائل شوی؟ آن ضمیر چیست؟ (عمران درماند)... تو با این فرض، ادعای خود را باطل کردی. باید بدانی که "واحد" با ضمیر توصیف نمیشود و برای او جز فعل و صنع و عمل تصور نمیشود و مانند مخلوقات، دارای اجزاء و بخشهای گوناگون نیست.»
۴. دستهبندی انواع مخلوقات و مراتب هستی
• سؤال عمران: از حدود و انواع آفرینش برایم بگو.
• پاسخ امام (ع): «حدود آفرینش شش نوع است: ۱. ملموسات، ۲. وزنشدنیها، ۳. دیدنیها، ۴. بیوزنها (مانند روح)، ۵. مفاهیم انتزاعی (مانند تقدیر، اعراض، طول و عرض)، ۶. اعمال و حرکات که اشیاء را میسازند و تغییر میدهند و مانند کلامی هستند که خود میرود اما اثرش باقی میماند.»
۵. عدم تغییر در ذات الهی و کیفیت شناخت او
• سؤال عمران: آیا خالق با آفریدن، تغییر نکرده است؟
• پاسخ امام (ع): «خداوند با آفرینش تغییر نکرد، بلکه این مخلوقات هستند که با تغییر دادن او تغییر میکنند.»
• سؤال عمران: پس او را با چه چیزی شناختیم؟
• پاسخ امام (ع): «با غیر او.»
• سؤال عمران: آن غیر چیست؟
• پاسخ امام (ع): «مشیت، اسم و صفت او و مانند اینها که همگی پدیده و مخلوق هستند.»
• سؤال عمران: پس خود او چیست؟
• پاسخ امام (ع): «او "نور" است، به این معنا که هدایتگر مخلوقات آسمان و زمین است.»
۶. نفی حلول و اتحاد با مثال "آینه"
• سؤال عمران: آیا او در خلق است یا خلق در او؟
• پاسخ امام (ع): «او برتر از اینهاست؛ نه در خلق است و نه خلق در او. به تو میآموزم که چگونه این را بفهمی: به آینه نگاه کن، آیا تو در آن هستی یا آن در توست؟ اگر هیچکدام در دیگری نیستید، پس چگونه با آن خود را میبینی؟»
• عمران: با نوری که میان من و آن است.
• پاسخ امام (ع): «(امام با چند پرسش او را درمانده کرده و فرمودند) پس میبینی که نور، هم تو و هم آینه را به شما شناساند، بدون آنکه در هیچیک از شما باشد. و خداوند برترین مَثَلها را دارد.»
۷. توحید ذاتی در مقابل توحید وصفی
• سؤال عمران: آیا خداوند به "حقیقت" ذاتش یگانه شناخته میشود یا با "وصف"؟
• پاسخ امام (ع): «خداوند همواره واحد و فرد بوده و هیچ چیز با او نبوده است... تمام آنچه بر او اطلاق میشود (از اسماء و صفات)، صفاتی پدیده و ترجمههایی هستند تا کسی که میفهمد، با آنها بفهمد.»
۸. "ابداع"، "مشیت" و "حروف" به عنوان اولین مخلوقات
• ادامه پاسخ امام (ع): «"ابداع"، "مشیت" و "اراده" یک معنا با سه نام هستند. اولین ابداع و مشیت او، "حروف" بود که آن را ریشه هر چیز و راهنمای هر امر فهمیدنی قرار داد... این حروف ۳۳ عدد هستند... پس آفرینش اول از خدا "ابداع" است که وزن و حرکت و حس ندارد. آفرینش دوم "حروف" است که وزن و رنگ ندارد اما شنیده و وصف میشود. آفرینش سوم، تمام انواع محسوسات است.»
۹. کارکرد صفات و علت گمراهی در توحید
• ادامه پاسخ امام (ع): «صفات و اسماء، همگی بر کمال و وجود دلالت دارند، نه بر احاطه و شناخت کنه ذات... مردم در این باب گمراه شدند، زیرا خدا را با صفات خودشان توصیف کردند و از حق دورتر شدند. اگر خدا را با صفات خودش و مخلوق را با صفات خودش وصف میکردند، دچار اختلاف نمیشدند.»
۱۰. قیومیت خداوند و اسلام آوردن عمران
• سؤال عمران: آن حکیم در کجاست و آیا چیزی بر او احاطه دارد؟
• پاسخ امام (ع): «او همواره ثابت است، نه در چیزی و نه بر چیزی. این مخلوقات هستند که یکدیگر را نگه میدارند، اما خداوند با قدرتش همه آنها را نگه داشته، بدون آنکه در چیزی داخل شود یا از آن خارج گردد... امر او چون چشم برهم زدنی یا نزدیکتر است.»
• نتیجه: عمران گفت: «سرورم، فهمیدم و شهادت میدهم که خدا همانگونه است که تو وصف کردی و یگانه شمردی و محمد صلی الله علیه و آله بنده فرستاده او با هدایت و دین حق است.» سپس به سوی قبله به سجده افتاد و مسلمان شد.
راوی میگوید: وقتی متکلمان دیدند که عمران صابی، با آن همه قدرت جدل که کسی تا آن روز نتوانسته بود او را مجاب کند، اینگونه مغلوب شد، دیگر هیچکدام از آنان به امام نزدیک نشد و سؤالی نپرسید.